أزمة الشرعية في اليمن وإعادة توجيه بوصلتها  – إرم نيوز‬‎

أزمة الشرعية في اليمن وإعادة توجيه بوصلتها 

أزمة الشرعية في اليمن وإعادة توجيه بوصلتها 

قاسم عبدالرب العفيف

 

من هي الشرعية هل هي الرئيس المنتخب أم ائتلاف الأحزاب المشترك أم الأحزاب المنشقة التي تتنازع الرئاسة فيما بينها مثل الموتمر الشعبي العام، أم أحزاب تحت التكوين حصلت على فرصتها كي تجد لها حيّزًا سياسيًا… عندما تتحدد مكونات الشرعية سيتم تحديد توجهها السياسي.

من الثابت أن حزب الموتمر الشعبي العام وحزب التجمع الوطني للإصلاح (أخوان اليمن) قد أصدرا بيانًا سياسيًا يرفض تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، بينما الحوثي (أنصار الله) قد انطلق من صعده لتسوية الملعب السياسي أيضًا، رافضًا تقسيم اليمن الى ستة أقاليم، ويقوم بإسقاط المدن أمامه قادمًا إلى صنعاء، ولم يعترضه أحد بالرغم من تواجد قوات الدولة خارج صنعاء وحواليها وداخلها.

وتمكن من الاستيلاء على مفاصل السلطة بسهولة ويسر، بل ذهب حزب الإصلاح الى صعده لتقديم الولاء والطاعة الى السيد عبدالملك الحوثي، في نفس الوقت ذهب الجميع الى فندق موفمبيك لترتيب الوضع وتم التوافق على وثيقة السلم والشراكة والتوقيع عليها بمن في ذلك الرئيس نفسه.

ولكن عند التطبيق تعارضت مع مهام واختصاصات الرئيس الدستورية، وعندها تم سجنه وتقديم استقالته هو وحكومته وواصلت الأحزاب مسيرتها في أعمال نقل السلطة متجنبينَ مجلس النواب بسبب تواجد الأغلبية فيه لصالح المؤتمر الشعبي العام، وتم إصدار الإعلان الدستوري من جانب الانقلابيين.

لكن مع هروب الرئيس الى عدن لم يتردد الانقلابيون في مطاردته خوفًا من استغلال شرعيته للتصدي لهم من عدن، ومحاولة إعادته الى صنعاء مخفورًا، وكان أن استُقبل في الجنوب من كافة المكونات السياسية والقبلية، معلنين الوقوف الى جانبه من ظلم حكام صنعاء الجدد الذي سيروا الجيوش باتجاه الجنوب، ليس من أجل استعادة الرئيس وحسب، ولكن أيضًا من أجل احتلال الجنوب مجددًا وتسليمه لإيران لإحكام الطوق على الجزيرة العربية.

ذهب الجنوبيون للإعداد لملاقات الجيوش الغازية نحو الجنوب، وكانت المواجهات الشرسة عند تجاوزها الحدود الجنوبية، وهنا تخلقت شرعية جنوبية جديدة تمثلت في المقاومة الجنوبية التي هي امتداد للحراك الشعبي الجنوبي، الذي شكل فيما بعد بإرادة جماهيرية المجلس الانتقالي الجنوبي… تلك المقاومة حققت أول انتصار على الانقلابيين، بينما لم تستطع الأحزاب والقبائل في المحافظات الشمالية التي مرت منها القوات الغازية أن تعترض سبيلها، بل فتحت المجال للمرور وكأن الأمر لا يعنيها.

استلمت الشرعية أسلحة وأموالًا طائلة بهدف فتح جبهات باتجاه الجوف (صنعاء ومأرب)، صنعاء من اتجاهين؛ (نهم – صنعاء) و(صرواح – صنعاء)، وتم تجاهل الجبهات الجنوبية إلّا من الدعم الجوي فقط، ومع ذلك كان الاختيار للبدء بتوجيه ضربة خاطفة للانقلابيين خاصة من اتجاه الجوف صنعاء صحيحًا، حيث كان من الممكن الوصول إلى حرف سفيان وقطع طريق صنعاء-صعده، وبالتالي تطوير الهجوم باتجاه عمران للوصول إلى مشارف صنعاء في أقصر مدة زمنية.

وفِي الوقت نفسه تحريك جبهة مأرب -نهم -صنعاء ومأرب -صرواح -خولان -صنعاء وتكون قوات الشرعية على مشارف صنعاء من ثلاثة اتجاهات، ولا يتبقى إلّا التفاوض على الخروج من صنعاء أو الاستسلام، لكن مع الأسف لم تسيّر الخطة كما يجب، وضاع الدعم وانتهت الحملة بالفشل الذريع، وظلت تلك الجبهات تراوح مكانها للسنة الخامسة، بينما جبهات عدن والضالع ولحج وأبين وشبوه وحتى حضرموت وبدعم مباشر من التحالف العربي، تم القضاء على القاعدة وطردها من المكلا (في غضون يومين) و حسم أمر تلك المناطق في تحريرها في أقصر وقت، وفوق ذلك واصلت قوات المقاومة الجنوبية تحرير الساحل الغربي حتى الوصول الى مدينة الحديده، ومازالوا حتى اليوم يقاتلون في جبهات الساحل الغربي وصعده والحد الجنوبي للمملكة ومحافظة الضالع الشمالية والبيضاء، ويقاومون الانقلابيين ببسالة.

انفراد حزب الإصلاح بقرار الشرعيه أدخل اليمن بكامله في المجهول وأقصى الجميع من المسرح السياسي والعسكري، وبالمقابل هناك العديد من المكونات في المجتمع اليمني لا يقبل هيمنة هذا الحزب على مجريات الحرب والسلم في اليمن، وله ثارات مع الجنوب كونه الشريك الأساسي في غزوة عام 94م، وهو صاحب الفتوى التكفيرية لشعب الجنوب، الذي حلل دمه وممتلكاته للغزاة، وهو الذي يدير شبكة من الجهاديين تحت مسميات مختلفة.

وبعد تحرير عدن والجنوب شرع في إدارة الحروب المتعددة من خدماتية وحجب رواتب الموظفين والمتقاعدين ووقف تطبيع الأوضاع في الجنوب وإثارة الأزمات مستفيدًا من موقعه في الشرعية، وأيضًا تجميد الجبهات العسكرية في نهم وصرواح وتعز وغيرها، والإيعاز لبعض الجبهات بتسليمها مع عتادها إلى الانقلابيين كما حدث في جبهة الضالع والبيضاء وتمكين فصائل الإرهاب من قاعدة ودواعش، ضمن ما يسمى بالجيش الوطني.

كل ذلك يشكل ضغطًا وابتزازًا للتحالف العربي للوصول إلى هدف، إما أن تستلم النصر الذي تحقق في الجنوب والجبهات الأخرى وإما أن تضع العراقيل وتختلق الأزمات لتعطيل الحسم العسكري واستنزاف دول التحالف، بل وخلق انشقاقات في إطارها باستهدافها المباشر لدولة الإمارات التي لعبت وتلعب دورًا محوريًا في تحقيق النصر في كثير من الحبهات جنوبًا وشمالًا.

من أخطر الأزمات التي يفتعلها هذا الحزب، تحريك قواته من مأرب باتجاه شبوه ومرورًا الى أبين وعدن بعملية خاطفة ومنسقة مع الخلايا النائمة لزعزعة استقرار عدن وسقوطها بيد الحزب، مسلحًا بالفتوى الدينية الجديدة الصادرة عمّن يسمّون أنفسهم علماء اليمن لتحليل دماء الجنوبيين بالقتل المباح.

كل ذلك كاد أن يمر لولا يقظة التحالف ممثلًا بدولة الإمارات العربية المتحدة التي اتخذت قرارًا حاسمًا بمنع تقدم هذه القوات الغازية لسفك الدماء البريئة في عدن، وكذا يقظة القوات الجنوبية التي تصدت للمؤامرة الداخلية والخارجية ببسالة، وكادت عدن أن تصبح إمارة داعشية، وعندها كان سيتم فرض شروط الحزب على التحالف العربي وستنتهي مهمته في إعادة الشرعية إلى صنعاء بعد أن ضمنت عودتها إلى عدن، وسيكون هناك تغير في مجرى الحرب نحو التسوية السياسية مع حكام صنعاء الجدد وستذهب تضحيات الحلفاء والمقاومين أدراج الرياح، وسينتصر حلف إيران- تركيا في السيطرة على خليج عدن وباب المندب.

أمام التحالف مهام دقيقة في إعادة توجيه البوصلة نحو تحرير صنعاء من الانقلابيين، ولن يتأتى ذلك إلّا من خلال إجراءات فورية، منها تنقية الشرعيه من الشوائب العالقة بها والغارقة في الفساد، وكذا تأمين المناطق المحررة من الاختراق القاعدي والداعشي الذي يتخفى تحت غطاء ما يسمى بالجيش الوطني وتسليم الأمن الداخلي لهذه المناطق، لأجهزة الحزام والنخب الجنوبية التي أثبتت جدارتها في محاربة الاٍرهاب وتأمين الأمن والاستقرار.

ومن الناحية الأخرى تسلم إدارة المناطق المحررة الجنوبية أسوة بمأرب للمجلس الانتقالي الذي يمثل الإرادة الجنوبية، ويتم سحب كل القوات النظامية من المناطق المحررة وتحشيدها باتجاه تحرير صنعاء، بما أن المجلس الانتقالي قد صرح مرارًا بأنه سيقف مع التحالف بقواته حتى تحرير صنعاء من الانقلابيين، وقد أثبت ذلك ومازال موجودًا في عديد من الجبهات.

وفِي الأخير يمكن تشكيل إداره مشتركة لقيادة التحالف الداخلي العسكري اليمني تحت إشراف قيادة التحالف العربي وتحديد مهام كل مكون في المعركة الشاملة، وتنظيم التعاون العسكري فيما بينهم حتى القضاء النهائي على الانقلاب، وعودة الدولة اليمنية الشرعية، وبعدها يجتمع الجميع للنقاش حول المستقبل الخاص بقضية الجنوب واليمن بشكل عام تحت رعاية التحالف العربي والأمم المتحدة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com