إفطار سعد باشا!

إفطار سعد باشا!

سليمان جودة

ربما ينسى الذين يتابعون الأزمة هذه الأيام بين بريطانيا وإيران فى مضيق جبل طارق أن سعد باشا زغلول قضى شهورًا فى هذا الجبل منفيًا، وأن زوجته أم المصريين لحقت به بعد وصوله بأيام، وأن سيدة مصرية رافقتهما وكتبت يومياتهم الثلاثة هناك!.

السيدة اسمها فهيمة ثابت، وكان أبوها رئيسًا لمحكمة أسيوط ثم محكمة الزقازيق، وقد كتبت هى يوميات حياة سعد باشا فى المنفى، وأصدرتها دار الشروق فى كتاب عنوانه: «الزعيم الخالد وأم المصريين فى جبل طارق»!.

والجبل يطل كما نعرف على المضيق الذى يصل بين البحر المتوسط والمحيط الأطلنطى، بعرض 12 كيلومترًا، تقطعها الباخرة فى نصف الساعة بين إسبانيا فى شماله والمغرب فى الجنوب!.

وكان الإنجليز قد نفوا سعد باشا فى ديسمبر 1921، فأخذوه برًا إلى السويس، ومنها إلى عدن فى جنوب اليمن بحرًا، ومن عدن إلى جزيرة سيشل فى المحيط الهندى، ومن سيشل إلى جبل طارق، وهو يصف هذه الرحلة الممتدة فى يوميات فهيمة ثابت بأنها كانت أصعب الرحلات فى حياته!.

وفى طريق الانتقال الطويل من سيشل جنوبًا إلى جبل طارق شمالًا، تعمد الإنجليز أن يكون عبوره من قناة السويس ليلًا، وأن يظل فى غرفة مغلقة فلا يغادرها، حتى لا يزحف المصريون إلى السفينة التى تحمله إذا أحسوا بوجوده فيها!.

وفى جبل طارق قضى شهورًا كان البريد يأتيه يوميًا مع الصحف، وكان يطالعها بانتظام، وكان يقرأ لـ«العقاد» وعبدالقادر حمزة ويمتدح كتابتهما، وكان، كما تروى فهيمة ثابت، يفضل الأسماك فى طعامه صباحًا، واللحوم فى طعام الغداء، والطيور فى العشاء، وكانت الساعة إذا جاءت العاشرة من مساء كل يوم، قام مخاطبًا زوجته ورفيقتها: أسعد الله مساءكما.. ثم توجه إلى فراشه لينام!.

وكان مريضًا يتابعه طبيبه فى البيت بانتظام، وكان لا يسعى إلى شىء فى منفاه قدر سعيه إلى أن يعود إلى مصر، وأن تكون حرة من كل قيد، مستقلة عن كل إرادة إلا إرادتها!.

وفى يوم 6 فبراير 1923 تذكرت أم المصريين أن هذا اليوم هو العيد السابع والعشرون لزواجهما، وأن الله لو كان قد أراد لهما الإنجاب لكان ابنهما فى السادسة والعشرين من العمر، فشملها الحزن وأسفت كل الأسف، لولا أن «فهيمة» قد همست فى أُذنها بأن الله قد عوضهما بأن أصبح كل مصرى ابنًا لهما.. وكان هذا صحيحًا إلى مدى، فلم يرتبط المصريون بزعيم فى تاريخهم كله كما ارتبطوا بسعد زغلول!. وقد بلغ الارتباط به إلى حد أن عدلى يكن باشا لما تولى التفاوض مع الإنجليز، أطلق المصريون شعارًا يقول: الاحتلال على يد سعد.. ولا الاستقلال على يد عدلى!. وعندما عاد من منفاه كان عيدًا بلا مثيل، إلى درجة أن عصابات السرقة والنشل قررت التوقف عن نشاطها ثلاثة أيام، وعندما حاول الإنجليز استمالته بأى طريقة اكتشفوا أنه من النوع الذى لا يساوم على بلده، وكان يرد دائمًا: يعجبنى الصدق فى القول والإخلاص فى العمل، وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون!.

المصري اليوم

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com