سجالات لبنان وخلفيات أصولية مارقة – إرم نيوز‬‎

سجالات لبنان وخلفيات أصولية مارقة

سجالات لبنان وخلفيات أصولية مارقة

عدلي صادق

بُني النظام السياسي في لبنان، كما هو معلوم، على قاعدة المحاصصة الطائفية، بحسابات الأديان، ليصبح كل تطوّر، في السياق السياسي، موصولا بجذر أصولي، يجعل الممسكين بمقاليد طوائفهم، كمن يدافعون عن عقيدتهم وفي الوقت نفسه يخالفون روحها وما تحثّ عليه وهو التبسط بين الإنسان والإنسان، وتغليب المحبة!

ظلت الدولة، حاضنة لطوائف متجاورة، تتعايش دون أن تتداخل، ولكل منها ثقافتها وإطارها الاجتماعي وأمرائها. ومع مرور الوقت، وما فيه من البراهين على ضرورة الدخول إلى العصر بمنطق جديد، يلائم نظرية الدولة عموما ويعزز هيبتها ويكرّس دورها كحامية للمواطنة المتساوية؛ ظل لبنان مسكونا بمنطق المحاصصة والحذر والتخوّف من الآخر، والنظر إلى الإنسان باعتباره جزءا من طائفة.

وعندما تسلّل إلى لبنان، شبح الأصولية الإسلاموية المتطرّفة، فقد فعل فعلته التي خطط لها الذين أتاحوا لهذه الأصولية أن تخترق، لكي تزيد المشهد تعقيدا، وتحبط محاولات التقدّم إلى وئام اجتماعي وطني، يطمئن فيه اللبنانيون جميعا، إلى عدالة الدولة!

في هذا الخضم المتردي، انفجرت مشكلة الفلسطينيين في لبنان، وهم تاريخيّا محسوبون على المكوّن السُنّي، الذي استحثّ، تاريخيا أيضا، نوعا من الرهاب لدى المسيحيين من التوطين الذي في حال أن يصبح واقعا رغم رفض الفلسطينيين له، سيكون من شأنه رجحان كفة المسلمين السنّة في حسبة عدد السكان. ولم تفلح كل محاولات الفلسطينيين إقناع زعماء الطائفة المارونية، أن اللاجئين الفلسطينيين يرون في التوطين مؤامرة على قضيتهم وحقوقهم في وطنهم. وعلى الرغم من ذلك، ظل منطق التحسّب من التوطين، يحكم لغة زعماء الطائفة ووسيلة للإعراب عن وطنية لبنانية.

ذلك علما بأن تاريخ العلاقة بين لبنان وفلسطين، فيه من الحقائق الموثقة التي تثبت أن الزعماء الروحيين والسياسيين للطائفة المارونية قد نظروا إلى المكوّن الشيعي في جبل عامل والجنوب، باعتباره حاجزا بينهم وبين الأراضي الفلسطينية التي استوطنها اليهود، بينما هم يتطلّعون إلى التواصل مع تلك الأراضي وسكانها الجدد المتكاثرين في فلسطين منذ بداية الانتداب البريطاني، لكي يواجهوا معا، ما يظنونه خطر الغالبية الإسلامية من حولهم، في المشرق العربي. فطبائع لبنان الذي أسسه الجنرال الفرنسي هنري غورو، على قاعدة التوافق بين الأرستقراطيتين المارونية والسُنّية، قضت من قديم، بمحاولتين لعزل العنصر الفلسطيني.

الأولى قبل أن تطأ قدم أي فلسطيني أرض لبنان، وكانت أرض فلسطين نفسها ملاذا لإخوتهم اللبنانيين المسيحيين، الذين تعلّموا وتملّكوا الأراضي في بلادهم. ففي تلك المرحلة، تواصلت القيادات الروحية للمكوّن الماروني، مع الحركة الصهيونية، وعرض البطرك أنطون بطرس عريضة، ومعه عدد من الإكليروس، على حاييم وايزمان، التكفّل بتهجير الشيعة إلى العراق، بغوايات مالية لمخاتيرهم، لإخلاء جبل عامل والجنوب من الشيعة وتأمين انتقالهم إلى العراق، لكي يتحقق التواصل الجغرافي بين يهود الحركة الصهيونية والموارنة، فتصبح الأقليتان، كتلة واحدة في مواجهة الأكثرية السنية وعمقها الجغرافي.

كان ذلك قبل أن يلجأ فلسطيني واحد إلى لبنان، وأيام وجود كميل شمعون ــمثلاــ كتلميذ يتعلم في فلسطين، ووجود بيار الجميل في المنصورة في محافظ الدقهلية المصرية، التي أنجبت له زوجته ابنه أمين، على يد قابلة مصرية. إن الجنرال الاستعماري هنري غورو، هو الذي وضع ظهره في الجدار، وحسم أمره ألاّ يدخل يهودي صهيوني واحد أرض لبنان.

كان الرجل، بحكم ثقافته الكاثوليكية، يلتزم موقف كنيسته حيال اليهود، لكنه يلتزم في الوقت نفسه، موقف دولته الاستعمارية. أما المحاولة الثانية لعزل الفلسطينيين، فقد جرت في لبنان بامتهان كرامة الشعب الفلسطيني الذي لجأ إليه. واستخدم الموارنة، في لبنان المستقلّ، دمية من صغار ضباط السُنة لامتهان إخوتهم الفلسطينيين. وبتلك الوحشية، بُنيت تجربة الرمز الأبرز لها، وهو سامي الخطيب، الضابط في الشعبة الثانية، الذي استمد ولاءه للتحالف الطائفي، من قدرته على ممارسة الوحشية ضد الفلسطينيين حتى وصل إلى موقع وزير الداخلية، قبل أن يتوفى في العام الماضي.

في المحاولة الأولى، قبل استقلال لبنان، كان الأمر يتعلّق بتضييع وطن الفلسطينيين، وفي المحاولة الثانية يتعلّق بتضييع هجرتهم نفسها، وتتجدد هذه المحاولة، بين الحين والآخر، حتى تناقص عدد الفلسطينيين في لبنان، بفعل موجات الهجرة إلى أوروبا والأميركيتين، التي دفعت إليها حال البؤس والاستثناءات السلبية التي طالت حياتهم وضيّقت عليهم معيشتهم لعقود طويلة من الزمن.

ففي أواخر العام 2017 أعلنت دائرة الإحصاء المركزي في لبنان، إنّ عدد الفلسطينيين في مخيماتهم الاثني عشر، يبلغ نحو 175 ألفا أو أقلّ قليلا، علما بأن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) تقول إن عددهم 470 ألفا، وتعترف أنها لا تعلم عدد الذين هاجروا واقتنصوا فرص الرحيل أو تبقوا.

عندما فتح وزير العمل اللبناني، كميل أبوسليمان، ملف قانون تنظيم العمالة الأجنبية، الذي جعلته حكومات لبنان المتعاقبة ساريا على الفلسطينيين المقيمين في بلادها، خرجت الاستنكارات اللفظية من الفصائل الفلسطينية، للتركيز اللافت على العنصر الفلسطيني، بضبط ومحاسبة من يوافق على تشغيله من أرباب العمل اللبنانيين.

كان سقف ما تتمناه الفصائل، هو مجرد أن تتغاضى الدولة اللبنانية، على تنفيذ القانون على المقيمين الفلسطينيين، وليس تعديله بقانون. ففي تاريخ الهجرة الفلسطينية إلى لبنان، كان القانون ثابتا على قرار منع عمل الفلسطينيين، أما التطبيق فقد اختلفت درجات الحزم في تطبيقه، من حكومة إلى أخرى.

اليوم، وبعد أن أظهر وزير العمل اللبناني، حماسة وتشددا في تنفيذ القانون، على أن تلاحق وزارته العمّال الفلسطينيين في أماكن عملهم والقيام بتحرير محاضر ضبط قانونيّة وماليّة بحقّ مشغّليهم، تحت شعار “مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية” انفجرت مشكلة اضطرت رؤساء الطوائف وساستها ومنظريها إلى التنادي لاحتواء المشكلة خشية انفجار صادم فلسطيني لبناني.

غير أن العديد من الكتاب اللبنانيين العلمانيين أنحوا باللائمة على الزعماء المسيحيين، الذين يفارقون بسلوكهم حيال الفلسطيني، تعاليم المسيح نفسه الذي وحّد نفسه مع المهمشين. وهم بجموحهم حيال الفلسطيني، ينعون لأنفسهم أصولية مارقة و”صليبا يستخدمونه لتحقيق المكاسب والتسلّط وليس للمحبّة” على ما كتب أحدهم. فالأصوليات الضالة، هي التي تسمم الأوطان والعلاقات بين الشعوب والطوائف.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com