أميركا والإرهاب.. بين إسرائيل وداعش!

أميركا والإرهاب.. بين إسرائيل وداعش!
جلال عارف

ختام مثير لواحدة من أصعب السنوات التي مرت علي الوطن العربي في العصر الحديث. كان ذلك في مجلس الأمن حيث تقدم العرب بمشروع قرار إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ولتكون المواجهة مع أميركا التي مارست كل الضغوط على الدول الأعضاء لتمنع حصول مشروع القرار على الأصوات التسعة اللازمة لتمريره.

وهذا ما حدث، فلم ينل مشروع القرار إلا ثمانية أصوات، ومع ذلك استخدمت أميركا حق «الفيتو» لتقول إن مشروع القرار لم يكن ليمر في كل الأحوال، وأنها لن تسمح لأي مساس بإسرائيل. حتى ولو كان الأمر لا يزيد على طلب تطبيق ما قررته الشرعية الدولية.

ختام مثير لعام بدأ والولايات المتحدة الأميركية تواصل الضغوط على النظام في مصر الذي بدأته مع إسقاط حكم الإخوان الفاشي في 30 يونيو، وتحاول حشد حلفائها لمناصرة «الإخوان» وتمنع تزويد مصر بالسلاح وهي في أمس الحاجة له لمواجهة عصابات الإرهاب التي تمددت (خاصة في سيناء) في ظل العام الأسود الذي سقطت فيه مصر تحت حكم الإخوان!!

ومع انحياز واشنطن لـ«الإخوان» وحلفائهم وشركائهم كان طبيعياً أن يجد الإرهاب الفرصة والتمويل والمساندة ليتمدد في أقطار عربية عدة، ولينفجر الأمر في النهاية بالانتشار المفاجئ والمشبوه لتنظيم داعش الذي مضى خلال أيام يتنقل من سوريا إلى العراق.

وبينما كان العالم يصحو على الكارثة التي صنعتها أو ساهمت في صنعها السياسة الأميركية، كان إرهاب «داعش» وأخواتها يمتد ليطيح بما تبقى من الدولة في ليبيا ثم يرتد بثوب طائفي خطير ليضرب اليمن ويهدد الخليج ويصل بنفوذ الحوثيين ومن يدعمونهم إلى مدخل البحر الأحمر.

وكان الغريب أن تدعو أميركا إلى تحالف دولي لمواجهة الموقف، ثم تقيد تحركها بأمرين: الأول أنها لن تشارك في أي قتال علي الأرض، والثاني أن «الأرض» التي تعنيها هي «العراق» وحدها، حيث كانت تريد من العالم أن يعلن الحرب على «داعش» ثم يقف متفرجاً على باقي منظمات الإرهاب وهي تدمر ليبيا واليمن وتحاول اختراق لبنان وشمال إفريقيا وتعلن العداء لدول الخليج، وتخوض حرباً فعلية ضد مصر.

رفضت مصر ومعظم دول الخليج هذه الرؤية الأميركية، وخاضت الحرب ضد كل عصابات الإرهاب، وأعلنت أن هذه العصابات تخرج كلها من جماعة «الإخوان» التي لم تترك الإرهاب منذ ظهرت للوجود في عشرينيات القرن الماضي. مع نهاية العام الصعب.

كان الفشل الأميركي لا يخفى حتى على الأميركيين أنفسهم. وكان الحلفاء في أوروبا يدركون حجم الخطر الذي أصبح يدق أبوابهم، ويفهمون أن عودة الآلاف من أبنائهم الذي انخرطوا في داعش وأخواتها إلى بلادهم سيكون كارثة.

ويتأكدون – حتى ولو لم يعترفوا بذلك علناً – أنه لولا صمود مصر ومعارضة دول الخليج وعدد من الدول العربية الأخرى لمنهج أميركا وحلفائها الذي قصر الإرهاب على «داعش» لكانت الكارثة أسوأ بكثير!! مع نهاية العام الصعب نرى معظم دول أوروبا تراجع سياساتها نحو المنطقة. تدرك حجم الخطر الذي يتهددها.

ترى أن الفشل الأميركي ربما كان نتيجة سياسة مخططه تستهدف إشعال المنطقة وإرباك القوى الدولية المنافسة إلى أن تعيد واشنطن ترتيب أوضاعها في ظل عالم يتغير من عالم القطب الواحد الذي تسيطر عليه أميركا وحدها، إلى عالم متعدد الأقطاب تبحث فيه واشنطن عن مكان يضمن لها ألا تنهار وهي تتراجع اقتصادياً أمام الصين وغيرها، وتخشى يوماً تواجه تحالف الاقتصاد الصيني مع العسكرية الروسية.

مع نهاية العام الصعب نرى أنفسنا أمام عدد من المشاهد شديدة الدلالة، حيث تمر مصر من عنق الزجاجة بعد عام واجهت فيه إرهاباً غير مسبوق، وحصاراً قادته الولايات المتحدة الأميركية، وتآمراً شاركت فيه أطراف دولية وإقليمية كانت قد راهنت على حكم الإخوان، ولم تستوعب حتى الآن أن مصر أكبر من جماعة قامت على الإرهاب، وان بلد الأزهر الشريف لا يمكن أن يحكمه «خليفه» جاهل إلا بأصول القتل وتكفير العباد! وكما مرت مصر من عنق الزجاجة، نجحت تونس في العبور إلى شاطئ الاستقرار.

ولا شك أن جزءاً أساسياً في أسباب نجاح تونس هو أن هناك من استوعب تجربة سقوط «الإخوان» في مصر على يد الشعب الذي رفض فاشيتهم.

ومع نهاية العام كانت قضية فلسطين تفرض نفسها على الأمم المتحدة، وكان مشروع القرار بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وكانت المقاومة الشرسة والمتوقعة من الولايات المتحدة الأميركية والضغوط التي مارستها على أعضاء مجلس الأمن، ليفشل العرب في الحصول على الأصوات المطلوبة (تسعة أصوات) ولكي تزيد واشنطن من موقفها الاستفزازي باستخدام «الفيتو» لتقول إنها لن تتخلى عن إسرائيل مهما تمادت في جرائمها.

وفي الحقيقة فإن الفشل هناك هو للسياسة الأميركية التي ظلت لأكثر من عشرين عاماً تمسك بمفاتيح التفاوض بين فلسطين والعرب من ناحية وبين الكيان الإسرائيلي من ناحية أخرى، لتكون النتيجة هذا الإفلاس الكبير.

مع نهاية العام الصعب أيضاً كانت القاهرة تشهد اجتماع قوى المعارضة المدنية السورية، كما كانت تشهد اتصالات مكثفة مع النظام السوري تمهيداً للقاء مقترح في نهاية يناير في موسكو (وربما ينقل إلى القاهرة أو يستأنف فيها بعد ذلك).

والخطوة التي تأخرت كثيراً ساهمت فيها قوى عربية أصبحت تدرك حجم الخطر الذي يمثله استمرار الأوضاع في سوريا التي أصبحت (بفضل سياسات القوى الكبرى وصراعات القوى الإقليمية) مقراً أساسياً لجماعات الإرهاب. ومع ذلك فواشنطن تقول علناً إن جهدها يتركز علي نشاط «داعش» في العراق فقط!! وأوروبا تصرخ من الفزع ولا تتحرك لإنقاذ الموقف كما ينبغي.

والقوى الإقليمية غير العربية تتصارع من أجل توسيع نفوذها على حساب الدم العربي والأرض العربية، والحل السياسي الذي يتحدث عنه لن يتحقق إلا بإرادة عربية تدرك أن إنقاذ سوريا (أو ما تبقى منها) هو مفتاح الطريق لباقي الدول العربية التي يضربها الإرهاب ويدمرها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com