صفقة القرن: من هنا نعلم

صفقة القرن: من هنا نعلم

عدلي صادق

عند النظر في مسألة المؤتمر، أو الورشة الاقتصادية التي طلبت الإدارة الأميركية من مملكة البحرين استضافتها في يومي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من شهر يونيو المقبل، تحت عنوان “تحفيز الاستثمارات في الأراضي الفلسطينية”؛ تأخذنا أدوات التحليل السياسي، إلى اعتبار هذه الخطوة ارتجالية أو قفزة في الهواء، وهذا حُكم موضوعي، بصرف النظر عن حقيقة أن الفلسطينيين بكافة أطيافهم، أعربوا سريعا عن رفضهم لهكذا مؤتمر.

فقد بدا واضحا أن الأميركيين، بحسابات خطتهم لا بحسابات العرب والفلسطينيين، قد اختاروا البدء من حيث يجب أن ينتهوا. ولعل هذا الخطأ في ترتيب أولوياتهم، يؤشر إلى أحد احتمالين: الأول، وهو الأرجح، أن الولايات المتحدة لم تستطع تحقيق إجماع عربي صريح على خطوات متفق عليها، لتنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، فلجأت إلى هذه المقاربة الأولى كبالون اختبار.

والاحتمال الثاني أن تكون الإدارة الأميركية قد حددت فعلا موعدا لا يؤجل، بعد شهر رمضان، لطرح الصيغة الكاملة للصفقة، يسبق المؤتمر المُزمع انعقاده في البحرين، ويراد منه الحصول على تعهدات من أطراف إقليمية ودولية، بالإسهام في تلبية الشرط الاقتصادي لنجاح الصفقة. لكن هذا الاحتمال الثاني مستبعد، إذ يصعب على أيٍ من العواصم العربية، التعاطي مع خطة للتسوية، تكون قد أسقطت فرضية قيام الدولة الفلسطينية، وأخرجت القدس الشرقية من خطة التسوية، لصالح بقائها تحت السيادة الإسرائيلية. فلم يعد لدى العرب سبب للتفاؤل، بأن يحمل الأميركيون في جعبتهم، وفي اللحظة الأخيرة، عناصر تشجعهم على مساندة مسعى الرئيس الأميركي، في ضوء القرارات المسبقة التي اتخذها ومست عناصر أساسية في موضوع التسوية ومرجعياتها الدولية.

ولكي لا نستبق الأمور ونكتفي بالأحكام القيمية والسياسية على المنحى الأميركي برمته؛ يمكننا الدفاع عن صواب فرضية الارتجال، بالقول إن مؤتمرا اقتصاديا، أو ورشة عمل، تتناول الجانب الاقتصادي الذي تريد واشنطن أن يقوم عليه مشروع التسوية الذي سمّاه أصحابه “صفقة القرن”، هو عمل يقدم العربة أمام الحصان.

فالسياسة في حل النزاعات، لا تتأسس على غواية شعب لديه حقوق معترف بها دوليا، من خلال الوعود بتسهيلات واستثمارات، وإنما العكس هو الصحيح، أي أن يتم التوصل إلى التسوية المتوازنة، التي يقوم عليها الفعل الاقتصادي الضامن للاستقرار. تماما مثلما هو الحال بالنسبة للأمن. فقد كان من بين أهم أسباب فشل اتفاق أوسلو، أن الطرفين أرادا أن تقوم السياسة على الأمن، وليس أن ينبثق الأمن عن السياسة، بمعنى أن يعرف الطرفان ماذا يريدان ويتفقان استراتيجيا، ثم يتأسس الأمن الذي يحمي ما اتفقا عليه. ولما انهارت أوسلو وتوقفت تطبيقاتها، تبخر كل شيء، ولم يبق من العملية السلمية سوى التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل، دون أي مضمون سياسي.

من هنا نعلم، أن المقاربة الأميركية في البحرين، ليست أكثر من مشاغلة تكتيكية أو بالون اختبار، بحكم أن من يريدون التحدث عن تشجيع الاستثمارات، يتوجب عليهم النظر أولا إن كانت هناك بيئة استثمارية متاحة أم لا. فكيف يمكن لصاحب ورقة في مثل هذا المؤتمر المقترح، أن يشرح للحاضرين كيف سيأخذ الاستثمار مفاعيله في غزة، أو حتى في الضفة الفلسطينية في ظروف الاحتلال؟ وأيهما يصح أن يكون الأسبق، زوال الاحتلال ورفع الحصار، أم توزيع الأدوار على المستعدين للاستثمار؟ إن الجواب عن هذا السؤال الأخير، يبرهن على أن خطوة المؤتمر ارتجالية أو قفزة في الهواء.

ومن جهة أخرى،إن كان الأميركيون يعتزمون فعلا، طرح الصفقة بكل تفصيلاتها، بعد شهر رمضان؛ يصبح من حق الأطراف العربية أن تتساءل: على أي أساس سيطرح الأميركيون مشروعهم، علما بأن جميع الحكومات العربية أعلنت، جهارا، عن تمسكها بمرجعيات العملية السلمية وبالقرارات الدولية؟ وإن كان صحيحا ما يزعمه الأميركيون، بأن هناك تجاوبا عربيا مع مشروعهم في الغرف المغلقة، فمن ذا الذي سيقتنع بأن القادة العرب سيغيرون وجهتهم حالما تطرح إدارة ترامب مشروعها، ويعلنون قبولهم للطرح الأميركي بخلاف ما أكدوا عليه سابقا؟

يبدو أن مُوفدي الرئيس الأميركي إلى المنطقة، والرئيس الأميركي نفسه، يجهلون تداعيات التجاوب الرسمي العربي مع مشروع أميركي مشوّه، لحل قضية عربية بذل العرب جميعا على طريقها، الكثير من الجهد والعمل والمال والتضحيات. لقد بات واضحا أن مسألة الاستقرار الداخلي في البلدان العربية، ليست في حسبان الأميركيين، وأن إدارة ترامب تظن أن تحسس العرب في الخليج لمخاطر المشروع الإيراني، ستجعلهم يتجاوبون مع صفقة الرئيس ترامب، وعندئذ يكونون كمن يتحاشى الدلف ويقع تحت المزراب!

قصارى القول إن الورشة التي ستخصص لتحفيز الاستثمار في فلسطين، لا لزوم لها قبل خلق بيئة استثمارية، وهذه البيئة الاستثمارية، لن تنشأ من دون حل سياسي متوازن. ثم إن منطق الصفقة هو في كل تفسيراته، يعتمد أسلوب الإملاء، ومثل هذا الإملاء، لا يوفر بيئة سياسية إقليمية تساعد الحكومات العربية على التماشي مع منطق الإملاء. ثم لن يجرؤ طيف اجتماعي أو سياسي فلسطيني، على التماشي مع الطرف الأميركي الذي يتجاهل كل العناوين الفلسطينية، سواء بالاتصال المباشر أو غير المباشر.

فالسلطة الفلسطينية في رام الله وجدت نفسها في الزاوية عندما قرر ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأعلن عن نقل السفارة الأميركية إليها. وقد تصرف الرئيس ترامب بكل غرور واستعلاء، ولم يكلف نفسه طرح تعديلات ولو لفظية ومرحلية، على قرار القدس، كأن يقول إنه يعني القدس الشرقية، وما حدث هو العكس إذ كرر اعترافه بالسيادة الإسرائيلية على المدينة بشقيها، ثم زاد على ذلك بتسريبات تؤكد على أن صفقة القرن لا تنص على قيام الدولة الفلسطينية، وأن واشنطن لن تطلب من السلطة الفلسطينية أي تعاون. معنى ذلك أن فلسطين الرسمية مستبعدة، وفلسطين الاجتماعية مستهدفة باستثمار عذاباتها لتمرير تسوية مشوهة، فكيف يمكن للرئيس محمود عباس، والحالة هذه، أن يعود للاتصال مع الإدارة الأميركية؟

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com