عودة مصر

عودة مصر
فهمي هويدي

منذ قام الرئيس عبدالفتاح السيسى بزيارته للصين ووسائل الإعلام المصرية لا تكف عن الحديث عن عودة مصر إلى الشرق، غير مكتفين بالنجاح الذى حققته الزيارة على صعيد تطوير العلاقات بين البلدين فى مجالات عدة اقتصادية وسياحية. وهذا الخطاب الإعلامى الذى يسعى إلى التزيد والمبالغة ليس جديدا. خصوصا فى متابعة أداء الرئيس، حيث لا يقدم بحسبانه أداء يتم فى إطار مسئولياته الطبيعية.. ولا يكتفى بمديحه إذا حقق إنجازا من أى نوع، ولكنه يسوَّق باعتباره أمرا خارقا للعادة، فى استعادة ضمنية لما رددته كتابات الفراعنة عن «الملك الإله» الذى لا نظير له بين البشر.

الحديث عن العودة إلى الشرق سبق أن تردد إبان زيارة الرئيس السيسى إلى روسيا، التى بولغ فى أمرها كثيرا، ووصفتها إحدى الصحف فى عناوينها الرئيسية بأنها «صفعة لأمريكا»، هكذا مرة واحدة. كذلك نسجت من حولها حكايات عدة تعلق بعضها بصفقات سلاح تحرر مصر من أسر السلاح الأمريكى، وهو ما أدهش الروس أنفسهم، حتى أن سفيرهم فى القاهرة حين سئل فى الموضوع، كان نفيه متهكما ولبقا حين قال إن تلك أخبار ترددها الصحافة المصرية، بما يعنى أن الروس ليسوا طرفا فيها!

فى كل رحلة قام بها الرئيس يصورها الإعلام باعتبارها فتحا جديدا قلب الموازين وأعاد رسم الخرائط، وسجل صفحة جديدة فى كتاب التاريخ، حدث ذلك مع كل رئيس وإن لم يسافر، حيث كل أحاديثه تاريخية وكل خطاباته دليل عمل ودروس لأجيال المستقبل.

ما حدث فى زيارة الرئيس السيسى للصين وروسيا له نظيره فى التغطية الإعلامية لزيارات إلى أوروبا والولايات المتحدة. ولعلنا لا ننسى ما نشرته إحدى صحفنا عن أن السيسى استطاع أن يكسب الرأى العام فى الولايات المتحدة خلال 18 دقيقة فقط (التى استغرقها خطابه أمام الجمعية العامة). ولكننا فوجئنا بعد أيام قليلة من إلقاء الخطاب بالافتتاحية التى انتقدت مصر بشدة ونشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» باسم مجلس تحريرها.

لدى ثلاث ملاحظات فى هذا الصدد هى:

* أن التحولات فى العلاقات بين الدول لا تتحقق بإلحاح إعلامى أو بيان دبلوماسى ولا بتقرير لجهة سيادية أو غير سيادية. وقبل هذا كله وبعده فإن التحولات لا تحدثها زيارة يومين أو ثلاثة للرئيس (زيارة السادات لإسرائيل لها سياق آخر) ولكنها تنسج من خلال سياسات تتبع وجسور تمتد تفضى إلى النتيجة التى تكللها الزيارات فى نهاية المطاف. وهو ما لم يحدث فى حالة الصين.

* إن التفرقة واجبة بين تحسين العلاقات وتطويرها ـ وهذا أمر مطلوب ومهم بطبيعة الحال ــ وبين إحداث تحول فى تلك العلاقات ينقلها من وجهة إلى أخرى. والتحسين والتطوير يدخل فى إطار ترشيد الأداء السياسى الذى ينسب إلى «التاكتيك» إذا جاز التعبير. أما التحول فهو إلى «الاستراتيجية» أقرب. وزيارة الصين تندرج تحت العنوان الأول، لأن مصر مرتبطة بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة مستقرة منذ عهد السادات وقد ترسخت فى عهد مبارك ولاتزال مستمرة إلى الآن. وحين وصف أحد وزراء خارجية مصر هذه العلاقة بأنها أقرب إلى الزواج الأرثوذوكسى فإنه لم يخطئ كثيرا وإن خانه التعبير فى ذلك. ولأن تلك العلاقة الاستراتيجية شأن له جديته ثم إن له أعباءه والتزاماته، فإن التحول عنها إلى الشرق ممثلا فى روسيا والصين مثلا، أمر ليس سهلا كما أنه ليس متسحيلا بطبيعة الحال. ولكن له شروطه غير المتوافرة لمصر فى ظروفها الراهنة. صحيح أن العلاقة الاستراتيجية تحتمل الاختلاف أو حدوث توتر فى العلاقات، لكنها ككل زواج أرثوذوكسى لا تحتمل الطلاق، إلا فى ظروف خاصة جدا واستثنائية جدا.

* إننا إذا نحينا الهرج والمزايدات الإعلامية جانبا وأخذنا الأمر على محمل الجد، فسنجد أن عودة مصر مرتبطة بقوتها الحقيقية، السياسية والاقتصادية بالدرجة الأولى. بكلام آخر فإنه ما لم تقف مصر على أرض صلبة فى الداخل، وتتمكن من أسباب القوة التى تتناسب مع حجمها ووزنها ورصيدها التاريخى، فإن تحركها فى أى اتجاه سوف يظل متسما بالهشاشة والضعف. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن حركة مصر فى العالم الخارجى ستظل مرهونة بمقدار عافيتها فى الداخل وتصالحها مع ذاتها. وللأسف فإن المناخ السائد بما يستصحبه من ضجيج وهرج يغيب تلك الرؤية، ويؤثر تنظيم المهرجانات الصاخبة وتعبئة الرأى العام لصالح التهريج والتهليل، بأكثر مما يدعوهم إلى النظر فى مرآة الواقع لرأب تصدعاته والتمكن من أسباب المنعة والعافية. وكانت النتيجة أننا صرنا أكثر ميلا إلى خداع الذات منا إلى التصالح معها، من ثم فإن إعلامنا أصبح يتحدث عما نتمناه وليس عما هو حاصل بالفعل، حيث عدنا فى نشرات الأخبار وعناوين الصحف، ولم نعد إلى أرض الواقع.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة