الثعلب في الحديقة الخلفية – إرم نيوز‬‎

الثعلب في الحديقة الخلفية

الثعلب في الحديقة الخلفية

إميل أمين

حين أنطق الفيلسوف الهندي، بيدبا، الحيوان، في رائعته «كليلة ودمنة»، كان يفتح الطريق واسعاً لاحقاً للجماعة السياسية، التي اتخذت من رموزه شعارات لدول وإمبراطوريات. وبلغت الحال في حاضرات أيامنا حد الصراع بينها، كما يخبرنا الواقع بين الدب الروسي والنسر الأميركي، بينما التنين الصيني يتحين اللحظة المناسبة للانقضاض على المنتصر، في معركة الثنائي الذي طال به المقام في صدارة العالم.

لكن الدب، منذ عقدين تقريباً، وبإجماع كُتاب وشراح السياسة الدولية، أضحى ثعلباً رشيق القد والقوام، مخادعاً، مراوغاً، يمتلك من الذكاء والدهاء والمكر، ما يكفيه لأن يغيب عن عين النسر الأميركي، ذاك الذي ترهلت أوصاله، ولم تعد عيناه قادرتين على التحديق في قرص الشمس.

الثعلب الروسي كاد في الأيام القليلة الماضية يسبب هلعاً للعم سام، إلى الدرجة التي يصرح معها الرئيس ترمب، بأن كافة الخيارات متاحة لإخراج روسيا من فنزويلا.

مكر الثعلب ودهاؤه لا يتجلى فقط في تخطيطه، إنما في قدرته على تحديد قوة خصمه. إنه لا يقحم نفسه أبداً في صراع يعلم أنه سيخسره؛ لكن إذا بادرته كائنات أخرى بالهجوم، فإنه ينتفض للدفاع عن نفسه وعن صغاره.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول) المنصرم، أرسل الثعلب قاذفاته الاستراتيجية من طراز «تو – 160» لتحلق فوق مياه البحر الكاريبي. واستمر التحليق نحو عشر ساعات، وبعض مراحل التحليق جرت بالتعاون مع مقاتلات «سو – 30» و«إف – 16» التابعة للقوات الجوية الفنزويلية.

النسر الأميركي كان قد استبق بإرسال طائراته المتقدمة إلى الحدود الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني)، وقد رصدت وزارة الدفاع الروسية نحو 17 طائرة تجسس، وطائرة من دون طيار أميركية، بالقرب من مدن روسية كبرى، مثل كالينينغراد.

استراتيجيات الثعلب الماكر تجيد الاختباء في انتظار اقتناص الفريسة. ويبدو أن هذا ما يفعله الآن في الحديقة الخلفية الجيواستراتيجية للولايات المتحدة، أي في القلب من أميركا اللاتينية، ومن خلال فنزويلا التي تتصاعد أزمتها، بفعل أخطاء – بل خطايا – قيادتها السياسية عبر العقود، والانجرار وراء شعارات جوفاء أفقرت البشر والحجر.

لا تنكر روسيا أنها أرسلت الأيام الماضية عسكريين إلى فنزويلا، أنزلتهم طائراتها مع معداتهم العسكرية المتقدمة، لا يتجاوز عددهم المائة، إلا أن الرمزية هنا أهم من الكم. ولعل ما يزعج «البنتاغون» والخارجية عطفاً على البيت الأبيض الأميركي، القيادة التي حلت على رأس هذا النفر القليل، والمتمثلة في رئيس الأركان العامة للقوات البرية، فاسيلي تونكوشكوروف. ولهذا يبدو المشهد غير متناغم؛ بل إنه مرشح لزيادة الحضور العسكري الروسي على الأراضي الفنزويلية.

يكاد الثعلب يكيد للنسر بالطريقة نفسها التي عمل ويعمل بها الأخير في أوكرانيا، وجورجيا، ويبقى الأخطر وربما الأسوأ لم يظهر على مسرح الأحداث بعد.

يسرع النسر في إلغاء اتفاقية الصواريخ المتوسطة المدى، ويطلق عنان موجة عاتية من تسونامي التسلح الأممي عامة، ما يستدعي رداً روسياً خاصاً، سيما أن حائط الصواريخ الأميركية في بولندا ماضية عملياته قدماً وبشكل متواتر، ومن دون نية للتوقف.

الثعلب لن يضيع فرصة ذهبية في المقابل، فهناك في قاعدة مانويل العسكرية، وبالقرب من كراكاس، تظهر الأقمار الصناعية صوراً لصواريخ «إس – 300»، المرعبة للطائرات الأميركية، في جهوزية واضحة للتعامل مع الأعداء في سماوات فنزويلا.

النسر الأميركي يصيح بأن على روسيا الخروج بأسرع وقت من فنزويلا، ويعتبر الأمر استفزازاً غير مرحب به؛ بل يصل الأمر إلى حد تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي، رجل المحافظين الجدد الأشهر، وعدو الأمم المتحدة الأول، جون بولتون، بالتهديد بأن بلاده لن تتسامح مع تدخل قوى معادية في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

عجيب وغريب أمر النسر الأميركي! يستنكر على دولة مستقلة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة، أن تستضيف على أراضيها ما شاء لها أن تستضيف من قوات وخبراء، من دول لها معها علاقات، ومرتبطة معها بمعاهدات تعاون مشترك عسكري ومدني، في حين أنه يسمح لنفسه، وفي مخالفة واضحة وفاضحة لكافة الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية، بالاعتراف بسيطرة وسيادة إسرائيل على أراضي الجولان المحتلة، الأمر الذي يؤكد صباح مساء كل يوم، أنه نسر مصاب بازدواج قاتل في الشخصية، وبثنائية أخلاقية مَرَضية، تزينها له أحلام، وربما أوهام الفوقية الإمبريالية التقليدية للإمبراطوريات، وخصوصاً في أوقات فرط امتدادها، تلك المرحلة التي يعرفها قراء التاريخ، ومن لهم دالة على توصيف مراحل نشوئها وارتقائها، وتالياً انحلال عناصرها.

في غضون أربعين دقيقة، كان رجال النسر الأميركي في مجلس النواب يتبنون مشروع قانون أطلق عليه «قانون مكافحة نفوذ روسيا في فنزويلا»، وبموجبه يرفض المجلس أي دعم تقدمه روسيا لسلطات فنزويلا.

الثعلب يجيد ومن جديد، لا المكايدة السياسية فحسب؛ بل عض الأصابع. وما قفزه إلى فنزويلا إلا ضرب من ضروب التمكين اللوجستي حول العالم، انتظاراً لمعارك جيوبوليتيكية عدة لم تحسم. وملفات وساحات الصراع لا تزال فيها مفتوحة على كل الأصعدة.

يهدد مايك بومبيو وزير خارجية النسر بأن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي، بينما تزيد روسيا من التوتر في فنزويلا. هل سيناريو كوبا في ستينات القرن الماضي يمكن أن يتكرر من جديد؟

مهما يكن من أمر الجواب، فإن الثعلب استطاع أن يملأ مربع نفوذ جديداً في أميركا اللاتينية، بسبب سياسات واشنطن التي أفقدتها كثيراً من الأصدقاء. إنه مربع سوف يرغم النسر على تعديل خططه وتبديلها في منطقة أوروبا الشرقية سابقاً، وربما في بقاع وأصقاع أخرى حول العالم.

الخلاصة: الثعلب يثبت أقدامه، بينما النسر يحتاج إلى تجديد شبابه.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com