جريمة نيوزيلندا.. ووثيقة أبوظبي

جريمة نيوزيلندا.. ووثيقة أبوظبي

جلال عارف

فاجعة نيوزيلندا تؤكد للجميع من جديد أن الإرهاب لا دين له، وأن أوبئة التعصّب والكراهية والتطرف تهدد العالم أجمع، وبصورة ربما تفوق أبشع ما تصوره من رصدوا الخطر وحذروا منه!!

لعقود طويلة كان العالم – ولا يزال – يكافح من أجل إرساء قواعد العدل والإخاء والمساواة بين البشر أجمعين، وفي المقابل كان عليه أن يواجه أفكار التعصّب والكراهية التي ارتكبت في حق الإنسانية أبشع الجرائم، وكان على العالم أن يدفع أثماناً فادحة لأفكار مريضة مثل تفوّق الرجل الأبيض أو صراع الأديان، وأن يتحمل التكلفة المروعة لسيطرة الفاشية أو النازية، أو لصعود جماعات العنف والإرهاب التي لم تقتصر على الإخوان وتفرعاتها من القاعدة والدواعش، وإنما امتدت، على الجانب الآخر، لتنشر العداء للإسلام والعرب والإنسانية كلها.

تحتفل مصر هذه الأيام بمئوية ثورة 1919 التي كان أحد أبرز إنجازاتها تقديم المثال الأهم في الوحدة الوطنية، حيث رفضت كل محاولات التفرقة بين أبنائها لترفع شعار «وحدة الهلال مع الصليب» وتترجمه بأروع صورة في قاعدة «الدين لله والوطن للجميع» التي حفظت لمصر وحدتها الوطنية حتى الآن، رغم كل محاولات الفتنة وبثّ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، والتي لم تكن يوماً تعبيراً عن صحيح الدين أو مصلحة الوطن، ولكنها كانت على الدوام سلاحاً في يد الأعداء.

ولنتذكر هنا أن أحد أوجه رد الاحتلال على ثورة مصر قبل مئة عام كان الوقوف وراء نشأة الجماعة الأم للإرهاب باسم الدين الإسلامي «الإخوان»، ودعمها مالياً ووضعها تحت رعاية الأجهزة البريطانية المختصة منذ مئة عام، وربما حتى الآن!!

وما حدث بالنسبة للإخوان حدث مع كل جماعات الإرهاب. ولنتذكر الأخطر وهو أن الغرب حين أراد التكفير عن جرائم الفاشية والنازية، كان ذلك عن طريق اغتصاب أرض فلسطين وتشريد شعبها وزرع «إسرائيل» كياناً معادياً في قلب الوطن العربي.

ولنتذكر أيضاً أن كل المآسي التي عاشتها منطقتنا كانت حصاداً لسياسة مستمرة تعادي العروبة التي كانت – وما زالت – هي القادرة على تحقيق الاستقرار والتقدم وتقديم نموذج للعيش المشترك بين كل العرب على اختلاف المذاهب والأديان، وفي هذا الإطار كان الدعم المشبوه لكي يقوم نظام الملالي في إيران، وكان التشجيع المستمر لجماعات عميلة ترفع رايات الدين لتدمر الأوطان وتثير الفتن المذهبية والطائفية.

ولنتذكر أيضاً أنه مع نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، وجدنا في الغرب من يضع الإسلام هدفاً جديداً وعدواً محتملاً للحضارة الغربية المنتصرة، ناسياً أن الحضارة العربية الإسلامية كانت أساساً في نهضة أوروبا من تخلفها، وكانت شريكاً في صنع حضارة إنسانية ينبغي أن تنتصر للبشر جميعاً!!

دول الغرب التي قالت إن حضارتها انتصرت للأبد بعد نهاية الحرب الباردة تعاني من أجل الصمود أمام تحديات هائلة. أمريكا – في ظل إدارة ترامب – تشهد تطبيقاً لسياسات اليمين المتطرف المتحالف مع التيار الإنجيلي الصهيوني. والاتحاد الأوروبي يتفكك في ظل الضغوط الأمريكية من ناحية، والروسية من ناحية أخرى، ومع مخاطر الصعود الكبير لليمين المتطرف وعودة الحياة للتيارات النازية والفاشية. والكل يخشى أن تكون انتخابات البرلمان الأوروبي بعد بضعة شهور تدشيناً لسيطرة هذا اليمين المتعصب على القرار الأوروبي، ليكتب نهاية حلم الأوروبيين بأن يكونوا قوة لها مكانتها في النظام العالمي الذي يولد وسط هذا الصراع.

ويتغذى اليمين في دول الغرب على الأفكار نفسها للتعصب والتطرف وكراهية الآخر التي كانت على الدوام وراء كل دعوات الإرهاب في شتى أنحاء العالم.. ولا فرق هنا بين فاشية ونازية أفرزها الغرب، وبين إخوان ودواعش كانوا على الطرف الآخر، لكن اليمين المتطرف في دول الغرب تتم تغذيته بدعوات تفوق الجنس الأبيض من ناحية، وبنشر الفزع من هجرة المسلمين والعرب من ناحية أخرى.

وتتوه أصوات العقل وسط موجات التعصب والكراهية، ويتناسى الكثيرون – لأسباب تخصهم – أن ما يفعله ملالي إيران وحرسها الثوري لا علاقة له بالدين، وإنما بمطامع الدولة الفارسية، ويتناسى الكثيرون أن ما يفعله أردوغان في تركيا ليس انتصاراً للإسلام، بل محاولة بائسة لاستعادة إمبراطورية عثمانية لا مكان لها في الحاضر أو المستقبل، ويتناسى الكثيرون أن جماعات الإرهاب التي ادعت الإسلام لم تكن من صنع الأزهر الشريف، ولا علاقة لها بالإسلام الصحيح بكل اعتداله.

وأمام جنون الإرهاب، الذي تبدو جريمة نيوزيلندا البشعة مجرد حلقة من حلقاته الطويلة المتصلة، ندرك أهمية الوثيقة الرائعة التي أصدرها في أبوظبي شيخ الأزهر الشريف، الإمام أحمد الطيب، وبابا الكنيسة الكاثوليكية البابا فرانسيس، التي أكدت أن الأديان السماوية لا تعرف التعصب أو الكراهية، وأن صحيح الدين لا يقودنا إلى كهوف الجاهلية هنا أو هناك، بل يقودنا إلى التفوق والحضارة في أسمى معانيها، وإلى سيادة مبادئ المساواة والمودة والتعاون بين البشر أجمعين.

كان الرجلان يؤكدان في هذه الوثيقة المهمة جوهر الأديان السماوية التي لا يمكن أن تكون ستاراً تختبئ وراءه جماعات الإرهاب أو دعوات الكراهية، وأظن أن جهداً أكبر ينبغي أن يتواصل بلا انقطاع لكي تصل هذه الروح إلى الجميع، ولكي تكون وثيقة أبوظبي دليلاً يهدي إلى سواء السبيل، ويؤكد أن المساواة والعدالة والمحبة بين البشر هي القيم التي لا ينبغي مطلقاً أن يعبث بها المتاجرون بالأديان أو الذين لا يعرفون إلا طريق التعصب والكراهية سبيلاً للسلطة أو النفوذ ولو ساروا في بحور من الدم الحرام.

ولعل بشاعة جريمة نيوزيلندا تذكرنا بأمرين مهمين:

أن المعركة ضد الإرهاب لا بد أن تتواصل حتى استئصاله تماماً، وأن أحداً – لو كان في نيوزيلندا – لا يظن أن نيران الإرهاب بعيدة عنه.

الأمر الثاني أن هذه الفاجعة لن تكون الأخيرة، ما دام هناك من يقود العالم إلى بحور الكراهية ويستخدم الدين في صراعاته السياسية.

حربنا ضد الإرهاب طويلة، وحربنا ضد أفكار التعصب والكراهية أطول وأصعب. هل تتوقف حماقات السياسة قبل أن تجرّ العالم لما هو أسوأ؟!

البيان

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com