بوتفليقة في خطاب الاستجابة ومقاصده

بوتفليقة في خطاب الاستجابة ومقاصده

عدلي صادق

لم يكن هناك مخرج، لسد الطريق على ولاية خامسة لحكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، سوى الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي الجزائري أو التظاهر بهذه الاستجابة. فقد استمد هذا الحراك قوته من عدة عناصر، لا تتيح مجالا للالتفاف عليه بأيّ ذريعة أو مظنة. فهو أولا منزوع الأيديولوجيا، ولا يُنسب إلى مشروع إسلاموي يتهدد وحدة الشعب الجزائري ووحدة أراضيه. ثم هو يشمل جميع الولايات وجميع الفئات العُمرية وإن كانت صدارته ذات طابع شبابي. فعندما التزم الحراك موقفا يتحاشى العنف ومظاهر الشغب اللامسؤول، صدرت رسالته السياسية ناصعة بليغة ومحترمة.

ذلك فضلا عن كون ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة، وهو رجل مقعد ولا يُسمع له نُطق، يخالف كل منطق ويستحث إحساسا لدى الجزائريين بالمهانة، ويشد عواطف التضامن الدولي مع الاحتجاجات، فضلا عن التضامن من داخل إطار الدولة وكادراتها، وهذا ما حدث عندما تضامنت مع الحراك شخصيات وازنة من حزب الرئيس نفسه -أي “جبهة التحرير الوطني”- وأشقائه من أحزاب الموالاة. ولا يمكن أن يُنسى في هذا السياق ضعف موقف الدولة أمام البيئة الإقليمية، سواء على الضفة الأخرى من المتوسط، أو في شمالي أفريقيا والجوار.

لم يكن هناك، إذن، مناص من استجابة عاجلة بلسان بوتفليقة نفسه، تتجاوز حدود النصوص التي يتحدث بها أولئك الذين يحكمون باسمه. فالرجل لا يعلن التخلي عن العهدة الخامسة وحسب، وإنما ينفي أنه كان بصددها أو ينوي الدخول إليها، ويؤكد على أن كل ما كان يقصده هو الانتقال سريعا إلى فضاء الجمهورية الثانية بعد الانتخابات مباشرة.

ردود الأفعال على خطاب الاستجابة، كانت ترحب وتستشعر النصر على صعيد الفئات الشبابية والبسطاء. لكن الطبقة السياسية واجهت الخطاب بأفكار نقدية وتأويلات. ومعلوم أن الغالبية العظمى من الطبقة الجزائرية السياسية خرجت من قبعة “جبهة التحرير الوطني”، وأعضاؤها خبيرون بأفانين الحزب ووسائل عمله ويعرفون ثغرات سياساته. فها هو، على سبيل المثال، عبدالعزيز بلعيد، أحد مرشحي الرئاسة ممن تربوا في الحزب في مرحلة سطوع نجم بوتفليقة، يعلق على الخطاب الرئاسي المفعم بطاعة الشعب والتواضع معه، فيقول ما معناه إن خارطة الطريق التي رسمها بوتفليقة تتجاهل المحددات الدستورية وتخرق القانون، ويُذكر بضرورة التقيد بأحكام الدستور الجزائري واحترامه، ويحسم الأمر مؤكدا على أن “ما جاء في رسالة رئيس الجمهورية المنتهية ولايته يُعتبر خرقا صارخا لأحكام الدستور”. وبخلاف بلعيد، رأى معظم الطبقة السياسية أن مقصد خطاب الاستجابة الرئاسي، هو تمديد الولاية الرابعة للرئيس، على الأقل لسنة واحدة، دون أي مسوّغ سياسي أو دستوري.

على صعيد آخر، فإن الفرنسيين الذين يتابعون كل التفاصيل الجزائرية، عبروا عن ارتياحهم لما طرحه الرئيس بوتفليقة، وقال وزير الشؤون الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، إن قرار تراجع رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة عن الترشح لعهدة خامسة وإعلانه عن اتخاذ جملة من الإجراءات لتغيير النظام السياسي في الجزائر خطوة تستحق التحية والتأييد. ويبدو أن الترحيب جاء من خلفية ما يعلمه الفرنسيون ويتابعونه، لاسيما وأن حركة الاستقالات والتعيينات في أعلى قمة السلطة، لا تزال تتجه بخطى حثيثة إلى تفرق الكتلة التي ظلت تدعم ترشح الرئيس لولاية خامسة.

بالمحصلة، نجح الحراك الشعبي في تطيير رسالته البليغة، فاختلفت الحسابات والآن يقرر بوتفليقة تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مُسمّى، وترتيب انسحابه من الحكم مع بقائه رئيسا إلى نهاية 2019، دون الإشارة إلى السند الدستوري الذي اعتمد عليه في تخويله هذا الحق. كل ما في الأمر أن الرجل يعلن عن تنظيم ندوة وطنية خلال هذه السنة، يقف على رأسها لخضر الإبراهيمي، وهو سياسي عتيق بات مستقلا. والطريف أن بوتفليقة طرح هذا المشروع ذا النقاط السبع، بأسلوب يضمن له البقاء رئيسا لمدة عام دون انتخابات، وهذه نقطة من شأنها أن تشكل التباسا بالنسبة للشارع الجزائري الذي يريد حسما.

وفي ديباجة المشروع- الرسالة، زاد شرحا يبعث على الحيرة والشكوك، حين أشار إلى أنه أجرى مشاورات مؤسساتية كما ينص على ذلك الدستور، علما بأن الرجل الذي انتقل من المستشفى السويسري إلى قصر المرادية، لم يعط نفسه ساعة لإجراء مشاورات، وخرج بنقاطه السبع دون الإشارة إلى المادة الدستورية التي اعتمد عليها. ويتبدى من بين السطور أن الرئيس بوتفليقة استند على المواد المتعلقة بالحالات الاستثنائية، وهذه مواد يلجأ إليها كل رئيس يريد التفرد بإصدار قرارات متذرعا بالخطر على البلاد والعباد.

ذلك علما بأن الدستور الجزائري في مثل هذه المواد، يشترط لإنفاذها استشارة البرلمان بغرفتيه واستشارة المجلس الدستوري والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن، ليعطي استشارته المشروحة، حول ما إذا كانت الدولة مهددة بالخطر الداهم أم لا، على النحو الذي يتهدد المؤسسات الدستورية وسلامة البلاد، وعندئذ تخوّل الحالة الاستثنائية رئيس الجمهورية أن يتّخذ الإجراءات للحفاظ على الدولة وشعبها وسلامة أراضيها. وهذا كله لا ينطبق على الحال الجزائرية الراهنة، فليس هناك من خطر على الدولة، من جموح الذين كانوا يريدون الحفاظ على التكلس السياسي في البلاد، والتمديد لرجل مقعد، للبقاء في كرسي الرئاسة، بينما هو فاقد للأهلية الصحية منذ ما قبل الولاية الرابعة.

التفاعلات في الجزائر تسابق بعضها بعضا، وهناك سباق خفي بين الشارع الذي يطمح إلى معادلات جديدة للحكم وضوابط صارمة وجمهورية ثانية، وبين بقايا القوة الممسكة بمقاليد الأمور راهنا، ومحاولة رجالها توسيع مساحة وجودهم في النظام الجديد.

إن الساعات والأيام القليلة الماضية، من شأنها إظهار إلى أين تتجه الأمور، لاسيما وأن الجنرال أحمد قايد صالح وزير الدفاع، قد بدأ في الأيام الأخيرة، في تخليق مسافة تفصله عن موقف المجموعة السياسية الموالية لبوتفليقة، وتغيرت لهجته بشكل لافت، فامتدح الجزائريين “الذين يبرهنون اليوم على قدر عال من الغيرة على الوطن” في إشارة إلى الحراك الشعبي بل زاد قائلا “تتجمع بين الشعب وجيشه كل مقومات الودّ والاحترام والتعاطف والتضامن وكل مقومات النظرة المستقبلية”. مقابل ذلك فإن الرجل لا يلقى استحسان الغرب القريب، بحكم صلاته مع روسيا مصدر سلاح جيشه. هو يطمح إلى أن يكون بديلا، وهذا طموح معقول لو أن الأمر كان نزاعا في القصر، بمواصفات وسقوف مثل هذا النزاع، وليس حراكا في الشارع!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com