الغرب أكثر سعادةً منّا ونحن أقل تعاسةً منهم!

الغرب أكثر سعادةً منّا ونحن أقل تعا...

الجهد الكبير والمشكور الذي بذله واضعو التقرير لم يحمهم من جدل كبير ونقاش صريح أثاره المناقشون والحضور، لمؤتمر المعرفة الأول، حول صدقية وحيادية المؤشرات التي تم جلبها أو جلب معظمها من بيوت خبرة غربية وضعت مؤشرات المعرفة عندها باتّساق مع أوضاع وطبائع المجتمع الغربي، الذي لا يتطابق بالضرورة في حيثياته السوسيولوجية مع المجتمع العربي.

زياد الدريس

يتضمن «تقرير المعرفة العربي» لعام ٢٠١٤ (الذي تم إطلاقه في دبي أول من أمس الاثنين من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتضامن مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم)، يتضمن جملة من المؤشرات الدلالية التي استخدمها صانعو التقرير من أجل قياس أوضاع الحالة المعرفية في المجتمعات العربية، ومدى اقترابها من تحقيق مجتمع المعرفة المنشود.

الجهد الكبير والمشكور الذي بذله واضعو التقرير لم يحمهم من جدل كبير ونقاش صريح أثاره المناقشون والحضور، لمؤتمر المعرفة الأول، حول صدقية وحيادية المؤشرات التي تم جلبها أو جلب معظمها من بيوت خبرة غربية وضعت مؤشرات المعرفة عندها باتّساق مع أوضاع وطبائع المجتمع الغربي، الذي لا يتطابق بالضرورة في حيثياته السوسيولوجية مع المجتمع العربي.

سأشير إلى ثلاثة حقول أساسية قد تربك المؤشرات «المستوردة» المستخدمة في القياس والتحليل:

١- تأثير الدين وتبعياته في العالم العربي تختلف تماماً عنها لدى الغرب. وهذه مسألة جليّة لا تحتاج إلى كثير تفصيل.

٢- حلقات الترابط الاجتماعي، والعلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة ثم العائلة الكبيرة في المجتمعات العربية ليست مشابهة للحالة الغربية.

٣- التفاوت في نوعية التركيبة السكانية، ففي حين يشكو الغرب من ترهل المجتمع وشيخوخته، ينطوي العالم العربي على أكثر مجتمعات العالم شباباً، حيث يقع نصف سكان العالم العربي في الشريحة العمرية تحت ٢٥ سنة.

وعليه تناولت في حديثي، نموذج: «مؤشر السعادة»، هذا المؤشر الذي بات يُستخدم مؤخراً لتصنيف شعوب ودول العالم حسب مبلغها من السعادة. فقد بتنا نلحظ الوجود الدائم للدول الاسكندنافية في قائمة الدول العشر الأكثر سعادة. لكننا ننسى في غمار هذا الخبر المبهج والجذاب أن الشعوب الاسكندنافية نفسها أيضاً تحتل مراتب متقدمة في معدلات الانتحار بين دول العالم.

كيف يتأتى لنا أن نفهم إقبال الإنسان الأكثر سعادة في هذه الحياة على الانتحار؟!

سأزيد المشهد تعقيداً حين أذكّركم بأن الدول العربية «التعيسة» التي تأتي في ذيل مؤشر السعادة، شعوبها هي الأقل انتحاراً حسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية!

لن يتأتى لنا تفسير هذه المشاهد المتناقضة إلا من خلال مراجعة العناصر والمفردات المعرفية التي بُني عليها «مؤشر السعادة».

قد يكون الخلل في تفسير معنى السعادة، أو ربما في تفسير دوافع الانتحار. (لعل العربي التعيس لا يُقدم على الانتحار لأنه يعرف أن الموت الذي ينشده سيكون متاحاً له في أي لحظة بين حادثٍ وآخر، أما الغربي الذي يريد الموت فسيطول انتظاره في ظل شحّ الحروب الأهلية والغارات الدولية وحوادث السيارات في بلاده!).

بعيداً عن هذا التفسير الساخر، فإن التساؤلات الآنفة ليست مسعى للوصول إلى الموعظة المستهلكة التي تقول بأن الإنسان الغربي يعيش في جحيم دائم وخانق وأن الإنسان العربي والمسلم يرفل في ثوب من السعادة الدائمة. لكنها مسعى لإثارة تساؤلٍ مشروعٍ عن سلامة تعميم المؤشرات الغربية على العالم بأسره، وبالتالي فهي دعوة إلى «تكييف» المؤشرات لتتناسب مع خصائص كل مجتمع، فموازين الغرب غيرها عند العرب، وهذه أيضاً غيرها عند الصينيين وكذلك عند الأفارقة وغيرهم.

ليكن واضحاً لنا جميعاً، أن ما نريده لهذه المجتمعات البشرية هو الاندماج وليس الانصهار.