بعد 40 عامًا.. إيران ثورة على الثورة

بعد 40 عامًا.. إيران ثورة على الثورة

تاج الدين عبدالحق

يوصَف عمر الأربعين بأنه سن النضج، الذي تنتهي عنده التجارب، وهو السن الذي يصل بالمرء إلى مرحلة الاختيارات الواضحة، والسبل والأهداف المحددة . وأيُّ خلل في السلوك بعد هذه السن، يُعدُّ من قَبيل الجهالة والسفه غير المقبول وغير المبرَّر، فضلًا عن أنَّ فيه هدْرًا للطاقة والموارد.

وما قد يمرُّ به الأفراد على هذا الصعيد، مرَّت وتمرُّ به دولٌ عديدة،عجزت عن مغادرة   طيش التجربة  الأولى ،  ومرحلة المراهقة السياسية لتظل  أسيرة  لما أطلقته من وعود وشعارات جوفاء، وأوهامٍ  غير واقعية، قبْل أن تتبيَّن أنها كانت تمشي في الاتجاه الخاطئ، وتأخذ الطريق المعاكس لحركة التاريخ، ورغبات وآماني الناس.

وثمَّة أمثلة عديدة أبرزها وأوضحُ مثالٍ عليها، الاتحاد السوفيتي السابق الذي ظلَّ عقودًا طويلة متمسّكًا بالأيديولوجية الماركسية، ورافضًا الاعتراف بأن تلك الأيديولوجيا لم تكن قادرة على حل مشكلات المجتمع السوفيتي، ناهيك عن مواجهة التحديات الخارجية التي أنهكت الشعب، قبل أن تؤدي في نهاية المطاف، إلى تحلل الدولة وتفككها، وأخيرًا انهيارها.

وما حدث في الاتحاد السوفيتي السابق، حدثَ مثيلٌ له في دول المنظومة الاشتراكية في أوروبا وغيرها من المناطق، فيما ظل المكابرون في عزلة، فاقمت أزماتهم المعيشية، وعمَّقت عزلتهم الخارجية.

ومع الاختلافات الفكرية، والظروف السياسية، فإن الثورة الإيرانية، التي تحتفل هذه الأيام بالذكرى الأربعين لانتصارها على نظام الشاه، وتسلمها مقاليد السلطة، هي من بين النماذج التي لا تزال -إلى الآن- تتلمس طريقها، وتخشى على وجودها واستمرارها، رغم مضي هذه المدة الطويلة على استلامها السلطة، ورغم الموارد والطاقات الهائلة التي توافرت لها، ووظَّفتها في تثبيت وجودها، وشراء الولاءات داخل إيران  وخارجها.

والمتابع لمسيرة الثورة الإيرانية منذ العام 1979 وحتى الآن، سيجد أن ما حققته على الصعيدين الداخلي والخارجي، لم يبدّل حال إيران، كما وعَد مَن قاد الثورة وبشَّر بها، بل إن الأوضاع التي كانت  عشيّة وصول الخميني من باريس إلى طهران، انزلقت  نفسها ، إلى تراجعات غير مسبوقة، فاقمت مشاكل إيرن في الداخل، وزادت من عزلتها في الخارج .

فإيران التي ثارت على نظام الشاه الاستبدادي، وعلى حكم جهاز السافاك التابع لذلك النظام، تعيش الآن واقعًا أمنيًّا لا يقل في فظاعته وممارساته، عما كانت تقوم به أجهزة الأمن تحت حكم الشاه . وعشرات أحكام الإعدام التي تُنفَّذ في إيران شاهد واضح، وآلاف سجناء الرأي ممَّن تعجُّ بهم السجون الإيرانية دليل مؤكد.

والثورة التي كانت حركة عامّة شاركت فيها مختلف التيارات والأحزاب السياسية، في ذلك الوقت تحوَّلت بعد التصفيات الدموية، أو العزل السياسي للخصوم، إلى دكتاتورية، أين منها دكتاتورية الشاه!

والثورة التي نظرَ إليها البعض على أنها وضعت حدًّا لأطماع الشاه، ورغبته في الهيمنة ولعب دور شرطي الخليج، تحوَّلت هي ذاتها، إلى بديل يترجم تلك الأطماع بل ويكرّسها ويوسعها، تحت ستار تصدير الثورة، والتمدّد إلى دول الجوار، من خلال إذكاء النعرات الطائفية والمذهبية، أو التدخل المباشر -تحت ذرائع شتّى- بشؤون المنطقة وخصوصياتها .

وبحجة العقوبات الاقتصادية التي تعرَّضت لها إيران منذ انتصار الثورة وحتى الآن، بقي الشعب الإيراني في معاناة معيشية مستمرة، وتفاقمت متاعبه اليومية عامًا بعد عام، فيما كان الفساد يستشري في مفاصل الدولة ومؤسساتها خدمةً لمصالحَ خاصة، ومنافعَ للمحاسيب والأتباع .

وبدلًا مِن أنْ تحاول إيران استثمار مواردها وخيراتها في تأمين الضروريات المعيشية للشعب الإيراني، استثمرت هذه الموارد في الاتجاه الخاطئ، وبالتحديد بناء ترسانة عسكرية بذريعة محاربة الشيطان الأكبر، فيما هدفها اليومي التمدد في الإقليم، وافتعال الحروب وخلق الأزمات في الجوار .

الإيرانيون بعد 40 عامًا من ثورة الخميني على الشاه، يعيشون اليوم ثورة على تلك الثورة . فالمظاهرات تتوالى في مختلف المدن الإيرانية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة تنذر بانفجار شعبي لا تبقى حدوده في طهران بل يمتد لمختلف المناطق، والعزلة الدولية التي تُحكِم الخِناق على النظام الحاكم في طهران، تُحوّل إيران برمّتها إلى سجنٍ كبير، يترقَّب فيه الإيرانيون لحظة الخلاص التي يستعيدون فيها حريتهم ومكانهم في الجغرافيا والتاريخ .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com