فروق توقيت!

فروق توقيت!

سليمان جودة

روى لى الناشر أحمد يحيى، صاحب دار نشر المكتب المصرى الحديث، أنه يرحمه الله كان قد طلب من الأستاذ أنيس منصور أن يجلس ليضع كتاباً عن علاقته بالرئيس السادات.. كان ذلك فى عام ١٩٨١، وكانت دماء السادات لاتزال ساخنة، وكان تقدير الناشر أن علاقة أنيس منصور بالسادات، خصوصاً فى السنوات القليلة السابقة على اغتياله، كانت الأقوى من نوعها بين حاكم وكاتب!.

ولكن أنيس منصور همس إلى الناشر فقال: يجب مراعاة فروق التوقيت!

وكان قصده أن ما يعرفه بحكم تلك العلاقة لا يمكن أن يقوله إلا فى أجواء معينة، وأن هذه الأجواء ليست متوفرة فى التوقيت الذى طلب منه يحيى فيه أن يجلس ليكتب!

شىء من هذا أجده أمامى حياً، كلما تأملت ما حدث فى مثل هذه الأيام من عام ٢٠١١، ثم وضعته إلى جوار ما يحدث فى الوقت الحالى حولنا!.

فعندما قامت مظاهرات ما يُسمى الربيع العربى فى تونس، ثم امتدت إلى أكثر من بلد عربى، كانت دول الغرب، والولايات المتحدة الأمريكية فى المقدمة من تلك الدول، تتحمس بشدة للمظاهرات، وللذين شاركوا فيها، وللمطالب التى رفعوها!.

وليس هناك ما هو أدل على ذلك من الموقف الأمريكى مما حصل فى مصر وقتها.. فالرئيس الأمريكى باراك أوباما تابع الموضوع بنفسه، ودعا إلى اجتماع فى مكتبه البيضاوى مع مساعديه، ليرى ماذا عليه أن يفعل ويقدم، وهو لم يشأ أن يكتفى بذلك، ولكنه بعث السفير فرانك وزنر إلى شرم الشيخ، حيث التقى مع حسنى مبارك، وحيث ناقش معه مطالب المتظاهرين!.

والاهتمام على المستوى الأوروبى لم يكن أقل من الأمريكى.. فالعاصمة البريطانية لندن على وجه التحديد كانت فى القلب مما كان يجرى!.

وفى مرحلة من المراحل وصل الاهتمام فى إدارة أوباما حداً، راح معه يدعو مبارك علانيةً إلى التنحى، بل دعاه إلى التنحى فى التو واللحظة كما تابع العالم كله وقتها.. وفى مذكراته روى مساعد لأوباما كان موجوداً برفقته فى البيت الأبيض، أن الرئيس الأمريكى لما بلغه نبأ تخلى مبارك عن الحكم، قال ما معناه إنه مستريح لقرار التخلى، وإنه.. أى أوباما.. لم يكن يعرف الرئيس مبارك، وإنه لا يعرف ما الموقف لو أن الذى كان عليه أن يتخلى عن الحكم هو حاكم آخر يعرفه فى المنطقة ذكره بالاسم!.

فأين دول الغرب، وأين الولايات المتحدة، من مظاهرات السودان التى انطلقت فى ١٧ ديسمبر ولاتزال مستمرة؟!.. لا شىء.. ولا كلمة.. ولا بيان.. لا شىء تماماً!.

فماذا جرى؟!.. إنها فى ظنى فروق توقيت.. فما كانت دول الغرب وأمريكا تريده فى المنطقة فى ذلك الوقت قبل ثمانى سنوات، لا تريده هذه الأيام.. إنها فروق توقيت لا أكثر ولا أقل!.

المصري اليوم

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com