شهوة السلطة ورطة

شهوة السلطة ورطة

عبدالقادر الزاوي

منذ أن بدأت تنظيمات الإسلام السياسي في البروز، ثم في التناسل لم تخفِ أبدًا توقها إلى السلطة، سعيًا إلى احتكارها إن تمكنت، أو للمشاركة فيها أو حتى التعلق بأهدابها والتملق لأصحابها إن لم تستطع الاستئثار بها وحدها.

وفي سبيل تحقيق غاياتها لم تتردد تلك التنظيمات في توظيف الوسائل كافة المشروعة منها وغير المشروعة؛ هادنت وهي ضعيفة، تعجرفت وهي قوية، ناورت عند الحاجة وتآمرت للضرورة، وعدت وتحالفت تارة، ونكثت الوعود وتنصلت من العهود في الكثير من الأحيان.

وقد وجدت هذه التنظيمات في أحداث الربيع العربي وسرعة انتشارها فرصة ذهبية لتصدر المشهد السياسي، انقضَّت على السلطة حيث أمكنها ذلك، وفرضت نفسها معادلة صعبة، وشاركت في صنع قرارات الدولة والتأثير فيها حيث لم تستطع الوصول إلى مرحلة التمكين التي هي هدفها الأسمى؛ بل لم تتوان في تأجيج نيران نزاعات دموية أهلية في الساحات التي وجدت فيها مجتمعًا مدنيًّا يقظًا يستطيع مواجهتها أو على الأقل فضحها.

وخلال كل ذلك أبانت هذه التنظيمات المتشحة بالدين عن انتهازية كبيرة، إذ عملت على الاستفادة من الامتيازات المادية للسلطة لصالح أفرادها، وتمرير القوانين والقرارات التي تخدم توجهات تنظيماتها وتضاعف من إشعاعها، مستغلة الفراغات السياسية التي تعرفها العديد من الساحات العربية نتيجة تهميش القوى السياسية والنقابية التقليدية، وإفراغها من النخب الحيَّة لفائدة نخب المحسوبية والزبونية، متلاعبة بالمشاعر الشعبية عبر إجراءات اقتصادية واجتماعية شكلية جرى تدثيرها بمسحة دينية وأخلاقية عبر التركيز على عناوين فضفاضة ومثيرة من قبيل تحجيم الفساد الإداري، وتخليق الحياة العامة.

ومع انغماس هذه التنظيمات المتأسلمة في أتون ممارسة السلطة اتضح أن كل ما أقرته من إجراءات لم تكن سوى إجراءات ترقيعية مملاة هي الأخرى في مجملها من طرف المؤسسات المالية الدولية، عاجزة عن تجاوز حالة الركود الاقتصادي وكبج جماح التدهور المعيشي للأغلبية الساحقة من المواطنين، وأن الغاية منها هي استقطاب المزيد من التأييد الشعبي وتأليب الجماهير ضد باقي القوى السياسية والمجتمعية الحيّة والفاعلة على أمل الانفراد بالحكم أو التأثير فيه بقوة.

وبديهي في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتجلياتها المتمثلة في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتضاعف الأسعار ونسب التضخم وانخفاض القدرة الإنتاجية والتنافسية للمنتجات المحلية أنْ يكتشف المواطنون بسرعة أنَّ التنظيمات السياسية المتشحة بالإسلام لا تتوافر على برامج ولا على رؤى اقتصادية حقيقية بخطوات وإجراءات واضحة وفعالة؛ بل إنها تفتقد حتى للتجربة في تدبير الشؤون العامة كما بدا في تخبطها في العديد من المواقف ونكثها للوعود التي كانت قطعتها إبان حملاتها الانتخابية.

إن الأمثلة في هذا السياق عديدة سواء في مصر في فترة حكم ”الإخوان المسلمين“ وذراعهم السياسي حزب ”الحرية والعدالة“، أو في تونس مع الحكومات التي ترأسها قياديون في حزب ”النهضة“ أو في المغرب حيث ضربت حكومات حزب العدالة والتنمية كل المكتسبات العمالية والنقابية ولا تزال تواصل الإجهاز على البقية؛ ما يؤكد أن تنظيمات الإسلام السياسي أمضت أزيد من ثمانين سنة في البحث عن كيفية الوصول إلى السلطة دون أن تتعلم ولو ليوم واحد كيفية ممارستها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com