ماذا وراء مد الجسور الدبلوماسية مع دمشق؟

ماذا وراء مد الجسور الدبلوماسية مع دمشق؟

تاج الدين عبدالحق

من الصعب تصور أن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، تتم دون معرفة روسيا، إن لم نقل بموافقتها والتنسيق معها. فروسيا التي تملك مفاتيح الميزان العسكري الذي أتاح للنظام السوري استعادة المناطق الخارجة عن سيطرته، والتي تمسك بخيوط اللعبة السياسية في مواجهة القوى الدولية والإقليمية التي تتأثر أو تؤثر في مسار الأزمة السورية، لا يمكن أن تكون بعيدة عن أعمال عسكرية بحجم الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، وكان أخطرها استهداف مناطق محيطة بدمشق حيث تتواجد قوات إيرانية.

الصدى الذي تتركه الاعتداءات الإسرائيلية، لا يقاس بالخسائر البشرية والمادية التي تسببها، بل في الحرج السياسي الذي ينتج عن العدوان و يطال أطرافًا مختلفة أبرزها إيران. ومع أن موسكو كلاعب رئيسي في سوريا قد تجد بعض الحرج وهي ترى الطائرات الإسرائيلية تقصف على مقربة من قواعدها وقواعد القوات السورية الحليفة لها، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن إسرائيل هي واحدة من القوى الإقليمية التي نسقت معها موسكو منذ أن بدا التدخل الروسي في سوريا وحتى الآن.

التنسيق بين موسكو وتل أبيب مصلحة روسية تتقاطع على نحو أو آخر مع علاقات موسكو الدولية وعلاقاتها بدول الإقليم. وهذا التنسيق هو الذي يجعل الوجود الإيراني في سوريا — المستهدف إسرائيليًا — على الضفة الأخرى في جغرافية المواجهة التي تخوضها روسيا في سوريا ، وذلك في ضوء ما هو معروف، أو متداول عن التنسيق العسكري والتفاهم السياسي بين موسكو وتل أبيب، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة شاهد ودليل.

هناك من يرى في السكوت الروسي عن الاعتداءات الإسرائيلية، موافقة ضمنية على ما تقوم به إسرائيل، أو نوعًا من الضغط الذي تمارسه موسكو عبر تل أبيب على طهران للقبول بالحلول التي اقترحها أو قد تقترحها روسيا لمعالجة الأزمة السورية، والتي قد يكون من أبرز بنودها إخراج القوات والميلشيات الأجنبية من سوريا.

فالمدى الذي وصله التدخل الإيراني في سوريا، والتصريحات والمواقف المعلنة وغيرالمعلنة، تشير إلى أن دور إيران العسكري على الأراضي السورية سيكون نقطة الصدام المقبلة مع الروس عاجلاً أم آجلاً، خاصة وأن استمرارالاحتكاك الإيراني الإسرائيلي، ينذر بخلط أوراق الأزمة السورية على نحو لا تشتهيه موسكو، ويتعارض مع دورها كحكم يبحث عن مخرج وحل سياسي مقبول، لمختلف الأطراف السورية، ويستجيب لمختلف المصالح الإقليمية المرتبطة بالأزمة.

المواجهة بين إيران وإسرائيل في سوريا، عامل ضغط لحل الأزمة السورية، أكثر من كونه تصعيدًا لها.  فالتصعيد الذي قد ينتج عن الاحتكاك الإيراني الإسرائيلي الحالي سيبقى في أفضل الأحوال عامل ضغط على من ينخرط الآن في المساعي السياسية لإيجاد تسوية شاملة للنزاع في سوريا، أو على سوريا، أو معالجة آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا، ولهذا السبب جاء رهان الدول العربية التي بدأت تتسابق في مد الجسور الدبلوماسية مع دمشق. وقد تكون هذه الدول قد تلقت دلائل من موسكو تشيرإلى أنها تقترب من لحظة المواجهة مع طهران، وهو ما يشكل فرصة للدول العربية التي تعارض التدخل الإيراني في سوريا لاستعادة مكانها على الساحة السوريه، والتصدي للتمدد الإيراني هناك.

والرهان على قرب انفجار الخلاف بين طهران وموسكو ليس رهانًا عربيًا فحسب بل هو رهان دولي أيضًا. إذ يعلم الجميع من البداية أن التحالف بين البلدين كان تحالفًا تكتيكيًا ولضرورات عسكرية، ودون أن يكون له قواسم سياسية أوأيدولوجية مشتركة.  ولذلك فإنه مع تراجع حدة المواجهات الميدانية بين الفرقاء والفصائل السورية من جهة والنظام وحلفائه من جهة ثانية، ظهرت على سطح مساعي الحل السياسي الاستحقاقات المؤجلة أو المسكوت عنها، وأبرزها تحديد مكان ودور إيران في أي تسوية قادمة.

القبول الإقليمي والدولي باستمرارالدور الروسي في سوريا وتوسعته، بات مشروطًا فيما يبدو بقدرة موسكو على لجم إيران، وتحجيم دورها أو حتى اقتلاعه، وإيران التي تواجه أزمات من كل نوع، باتت في وضع لا يسمح لها بالمناورة، وقد تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات في سوريا للروس، حتى لا يصل سكين الحصار والعزلة إلى رأس النظام في طهران.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com