إدارة ترامب واحتواء إيران

إدارة ترامب واحتواء إيران

عبدالوهاب بدرخان

الأهمّ في جولة وزير الخارجية الأميركي على تسع دول عربية ما طرحه في المحادثات مع القادة والمسؤولين. أما خطابه في القاهرة، على أهميته، فلا يعدّ كافياً للإقناع بأن المراجعة السريعة التي أجرتها إدارة دونالد ترامب لقرار الانسحاب من سوريا توصّلت إلى رؤى واضحة لدوافعه وأهدافه ونتائجه المتوقّعة. من الواضح أن الإعلان المتسرّع، وحتى العشوائي، للقرار أحدث صدمة لدى من تعتبرهم واشنطن حلفاء أو شركاء، ما حتّم تحرّك مايك بومبيو إلى المنطقة، وكذلك مستشار الأمن القومي جون بولتون. ولم ينسَ أحد أن ردود الفعل الأميركية الأولى أجمعت على أن الجهات المستفيدة من الانسحاب هي روسيا وإيران والنظام السوري، ولم تضف تركيا باعتبارها حليفة للولايات المتحدة لكن محادثات بولتون أظهرت خلافات جذرية معها. وفي السياق لفتت ردود الفعل إلى انعكاسات الانسحاب على الأكراد، ولم تشر إلى عموم سوريا كجهة متضرّرة على المدى الطويل إذا كان للأطراف اللاعبة فيها الآن أن تنفرد بتقرير مصيرها.

الاستراتيجية الأميركية مستمرّة ولم تتغيّر، هذا ما أكّده بومبيو وكرّره في خطاب ضمّنه مفاهيم ليست فقط نقيضة لمفاهيم باراك أوباما بل عرض فيه استراتيجية «تصحيحية» لاستراتيجية الرئيس الأميركي السابق. ومع التقاء الاثنتين عملياً عند محاربة تنظيم «داعش» على الإرهاب، فإنهما تفترقان جذرياً في مقاربة الأخطار والتهديدات الإيرانية. كذلك مع التقاء الاستراتيجيتين عند «إنهاء الخصومات القديمة»، ما يعني تطبيع العلاقات العربية – الإسرائيلية، فإنهما تفترقان في أساليب «تسهيل» هذا التطبيع وجعله إطاراً راعياً لسلام حقيقي بين الفلسطينيين وإسرائيل. لم ينجح أوباما في وقف الاستيطان، كما وعد في خطاب جامعة القاهرة عام 2009. أما اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل فلم يستطع إقناع الشركاء العرب بأن قراره صائب ويشكّل أساساً جيداً لبناء سلام عليه. ومن الأخطاء الكبرى لهذه الإدارة الأميركية أن تهميشها القضية الفلسطينية في استراتيجياتها مكّن أيضاً إيران من مواصلة اختراق هذه القضية والتلاعب بها.

في الخطاب السياسي لترامب وإدارته، في الاتصالات الدولية، في العقوبات المشدّدة، وفي محاولات بناء تحالفات، تبدو أولوية مواجهة إيران واحتوائها بالغة الوضوح. غير أن الانسحاب من سوريا أطلق علامات استفهام كثيرة، ويصعب القول بأن العمل من خلال «الدبلوماسية» سيتوصّل إلى «طرد آخر جندي إيراني» من سوريا، كما أفاد بومبيو. صحيح أن هذا هو الموقف المتاح إعلانه رسمياً، إلا أن «الطرد» يتطلّب أكثر من الدبلوماسية، فحتى «الدبلوماسية + الضربات الإسرائيلية» برهنت في الشهور الماضية أنها محدودة النتائج، إذ تمكّن الإيرانيون خلالها من مضاعفة عديد ميليشياتهم وتوسيع انتشارهم وبناء قواعد عسكرية جديدة لهم وتجذير وجودهم المدني في سوريا، كما أنهم نقلوا أسلحة متطوّرة وصواريخ أكثر دقّة إلى «حزب الله» في لبنان. بالتزامن ورغم اتساع النقمة الشعبية على هيمنتهم في العراق توصّلوا إلى تنصيب من يشاؤون في المناصب الرئيسية، ثم تظاهروا بالمرونة والإيجابية في اتفاق ستوكهولم اليمني ليعادوا مناوراتهم «الحوثية» في عرقلة تطبيقه، أما في لبنان فلا يزالون يعطّلون تشكيل حكومة جديدة ما لم تكن بإمرة «حزب الله». يضاف إلى ذلك، أن المصالح التي أقامتها إيران مع حركة «طالبان» سهّلت لها أخيراً اختراق خط التفاوض بين الحركة والأميركيين.

قد تكون الاستراتيجية الأميركية طويلة النَفَس، وتستلزم وقتاً وعملاً كثيراً وتحالفات متماسكة، غير أن الحلفاء أو الشركاء ليسوا جميعاً على الموجة نفسها في إدراك الخطر الإيراني وإرادة مواجهته. فالأكثر تصميماً وصلابةً بينهم يعانون أولاً من تحفّظات الآخرين وتردّدهم، وثانياً من عدم حزم الإدارة الأميركية وحسمها في جلب الآخرين إلى استراتيجيتها. وتنبغي الإشارة خصوصاً إلى الحذر الشائع، دولياً وليس عربياً فحسب، إزاء تقلّبات هذه الإدارة من جهة ومشاكلها الداخلية من جهة أخرى. صحيح أن نقطة القوة في احتواء إيران تكمن في مراهنتها على شدّة العقوبات وتأثيرها في الاقتصاد والوضع الداخلي، إلا أن تطبيقها من دون التزام الاتحاد الأوروبي (المهادن لإيران رغم العقوبات الأخيرة) ومن دون تعاون روسيا والصين وتركيا، يشكّل خللاً بنيوياً في الاستراتيجية نفسها. يستتبع ذلك مثلاً أن تعذّر التفاهم بين واشنطن وموسكو على مستقبل سوريا يجعل من الانسحاب الأميركي عاملاً قويّاً مساعداً لإيران، بدليل أنها سارعت إلى مهادنة تركيا سورياً لتتمكّن من تأمين سيطرتها على المنفذ الحدودي بين العراق وسوريا، وهو ما لا تبدي روسيا أي اهتمام بمنعه رغم علمها بمخاطره المستقبلية.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com