معبر رفح في حسبة كل طرف

معبر رفح في حسبة كل طرف

عدلي صادق

كان انتظام فتح معبر رفح، منذ أن تسلمت السلطة الفلسطينية الرسمية إدارة الجانب الفلسطيني من المعبر، محصّلة توافق نسبي، مصري إسرائيلي أميركي على فتحه. وخلال السنوات التي لم ينتظم فيها فتح المعبر، واقتصار سبب فتحه استثنائيا على السبب الإنساني، كان المنظور المصري بالنسبة للمنفذ البري، يلتزم إجراء الإغلاق، منعاً لأن تنتفي عن قطاع غزة صفة الأراضي المحتلة.

فإن كانت عملية إعادة الانتشار لم تُبق أية قوات داخل غزة، فإن الاحتلال في الواقع، يحاصر ويتحكم حتى في تسجيل المواليد وإصدار بطاقات الهوية للغزيين، ولا زالت عُمْلته هي المتداولة في غزة، والبنوك في غزة موصولة بالنظام المصرفي الإسرائيلي. لذا كانت الحسبة تقول، عند فتح المعبر بترتيبات مصرية – فلسطينية فقط، لا تراعي حقيقة أن غزة تقع تحت الاحتلال؛ سوف تتأسس جغرافيا سياسية ثالثة غير متفق عليها وتفصل غزة عن الضفة.

وستكون هذه الجغرافيا السياسية الغزية، منذورة لجماعة “الإخوان” وحركة حماس، وهذا ما لا يقبل به المصريون، ويدمر المعادلة الفلسطينية الواحدة. فالجغرافيا السياسية المستقلة، لم تتحقق للفلسطينيين في الضفة على الحدود الأردنية الفلسطينية. وعند افتعالها في غزة، ترتسم نوايا تأسيس حالة كيانية منفصلة في غزة، وهذا ما يحرص المصريون على تحاشيه لأسباب كثيرة، منها ما هو أمني وما هو سياسي، وما هو تاريخي يتعلق بانخراطهم في القضية الفلسطينية وفي حروب المنطقة.

المصريون عندما أغلقوا المعبر، وكانوا يفتحونه استثنائياً، قبل أن يستلم المسؤولية فريق من موظفي السلطة الفلسطينية الرسمية؛ كانوا ينتظرون إنجاز المصالحة، لكي ينفتح المعبر وفق اتفاقية أوسلو لإعلان المبادئ، مضافا إليها اتفاق المعابر للعام 2005 وأن يكون الطرف الفلسطيني في هذه المحاولة حاضراً وممثلاً في شرطة السلطة الرسمية. فعندما انسحبت إسرائيل من قطاع غزة من جانب واحد، في أغسطس 2005 كان آرييل شارون قد سجل المحاولة الإسرائيلية الأولى لفصل غزة.

وكانت إسرائيل تفترض أن شهوة الاستقلال الفلسطينية ستدفع في اتجاه فتح المعبر مع مصر مباشرة دون تدخل إسرائيلي. وشارون وقتها كشف عن نواياه وأبلغ الطرف المصري أن فتح المعبر مع قطاع غزة دون رقابة إسرائيلية، معناه أن حدود إسرائيل الأمنية المباشرة تبدأ عند حدود غزة مع النقب، وستنقطع الصلة بين غزة والضفة في حال فقدت إسرائيل دورها الأمني على المعبر.

عندئذٍ ذهبت الأطراف الثلاثة الفلسطينية والإسرائيلية والمصرية في نوفمبر 2005 إلى اتفاقية المعابر، التي كرست الطرف الأوروبي وسيطاً رقابيا حاضراً في معبر رفح، لضمان نفاذ الشروط والضوابط والمعايير التي تنظم حركة المرور من وإلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبهذا كانت الاتفاقية تنطلق من فرضية أن قطاع غزة لا زال محتلا.

يومها، قيل في ديباجة الاتفاقية إنها أبرمت “لدعم التطور الاقتصادي السلمي وتحسين الوضع الإنساني على أرض الواقع″، أي إنها تعاملت مع واقع استثنائي فيه احتلال من الناحية الاستراتيجية، ولا يُرى جنود الاحتلال في شوارع غزة، من الناحية العملية، بينما المسافات بالمعايير الميدانية قصيرة. وكانت في تلك الاتفاقية التزامات على الحكومة الإسرائيلية وعلى السلطة الفلسطينية، وتولت اللجنة الرباعية الدولية المساعدة على التنفيذ من خلال التواجد الأوروبي على المعبر.

وجاء انقضاض حماس على النظام السياسي الفلسطيني في صيف العام 2007 وإنهاء سيطرة السلطة الرسمية على قطاع غزة، سبباً في استمرار إغلاق المعبر وفتحه استثنائياً للحالات الطارئة والإنسانية. وفي تلك الفترة حاولت حماس الظفر باعتراف مصري بسلطاتها الأمنية على المعبر، ولم يتأت لها ذلك لأن المسألة تتعدى الخيار المصري وحده. فقد كان الإسرائيلي حاضراً وجاهزاً في أية لحظة، لأن يُنهي وضع غزة باعتباره جزءاً من الأراضي الفلسطينية ومنفتحاً عليها، وكان الأميركيون -بالطبع- يساندون الموقف الإسرائيلي.

ومع استمرار المصريين في جهودهم لتحقيق المصالحة الفلسطينية، لكي يعود وضع غزة إلى حالته الطبيعية سياسياً ولوجستياً، كجزء من النطاق الجغرافي الفلسطيني للعملية السلمية المفترضة؛ تصرف الطرفان العباسي والحمساوي بغير منطق وبغير رؤية استراتيجية لأي منهما، فطال أمد معاناة سكان غزة، مع طول أمد الانقسام.

حماس أنكرت في البداية، مشروعية العملية السلمية التي جاءت إلى الحكم من خلالها، بل أنكرت وجوب التهدئة ودعت إلى المقاومة الفورية، وجعلت غزة منصة إطلاق صواريخ ومنبراً للإعلان عن المقاومة الهجومية. بل إن حكومة حماس نفسها أعلنت التزامها ببرنامج المقاومة، وكل هذا كان يناسب نوايا إسرائيل العدوانية. وأصبحت غزة محشورة بين المقاومة وبرنامج المقاومة، إلى أن وصل الفلسطينيون جميعاً في غزة وفي طليعتهم حماس نفسها، إلى وضعية التزام المقاومة الدفاعية ونشدان كف شر الاحتلال، والتزام تفاهمات التهدئة، وتأثيم إطلاق الصواريخ، والتذكير بخروقات العدو وطلب تدخل الوسطاء.

في هذا الخضم كان المصريون لا زالوا يحاولون رأب الصدع الفلسطيني وتحقيق المصالحة، وكانت الحركة خطوة إلى الأمام وخطوتيْن إلى الخلف. في الخطوة الأمامية تسلمت شرطة السلطة الرسمية العمل في معبر رفح وهي غير مسلحة. وفي الخطوتين اللتين إلى الوراء، ظلت سيطرة هذه الشرطة، في حدود مبنى المنفذ الحدودي، وتولت قوى حماس الأمنية سلطاتها من عند البوابة إلى داخل القطاع. وقيل إن ضغوطاً مورست على العاملين في داخل المبنى، لا سيما بعد عودتهم من نوبات عملهم. وهذا غير مستبعد عن حماس التي تحدد أسماء المسافرين وتعد القوائم وتتولى ترقيم الحافلات.

وفي سياق محاولات تحقيق المصالحة، ظهر التعنت من قبل محمود عباس، وظل المصريون يحاولون معه وهو يشترط نزع سلاح الدفاع عن النفس من قوة المقاومة، وهذا شرط لا يقبل به أي فلسطيني. واعتمد رئيس السلطة منطق التمكين من الباب إلى المحراب، بينما هو يتعايش مع اللاتمكين في جوار بيته في رام الله.

فقد بدا واضحاً أن الرجل لا يريد مصالحة وأنه لم يكن يريدها في أي وقت. الفارق أن رفض المصالحة في السنوات السابقة، كان من الطرفين بسبب أوهام كل منهما وحساباته الخاطئة، أما في الفترة الأخيرة فقد تراجعت حماس عن معظم أوهامها، ولم تعد السبب الرئيس في فشل المصالحة. فرئيس السلطة يريدها أن ترضخ وتسلم سلاحها، ولمن؟ لمنظومة حكم دمرت مؤسساتها بأيديها، وظل عباس يديرها بمساعدة الحاشية، بلا استناد إلى قانون أو إلى وثيقة دستورية.

بقي القول إن شرطة السلطة الرسمية عندما حلت في معبر رفح، كانت تسهّل على المسافرين العبور إلى الجانب المصري باحترام. أما رحلة المسافرين إلى القاهرة، فقد كانت في انتظار تفاهمات بين رئيس السلطة الرسمية والدولة المصرية، تنهي المعاناة الفلسطينية في السفر والعودة، وهذا ما لم يفعله عباس تحاشياً لأن يكون مثل هذا الجهد المحترم، جزءاً من سياق محترم للمصالحة الفلسطينية عبر الوساطة المصرية.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com