لماذا التسويف في سوريا؟

لماذا التسويف في سوريا؟
عثمان ميرغني

رغم التسريبات الأخيرة عن خطة مرحلية للحل في سوريا وما أثارته من ضجة، فإن هناك مؤشرات قوية على أنه لا حل في الأفق، وأن المجتمع الدولي ما زال يتخبط في تعامله مع الأزمة السورية.

استقالة أو إقالة وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل قبل أيام قليلة جاءت لتؤكد هذا الأمر ولتثبت أن سياسة البيت الأبيض إزاء سوريا ما تزال مضطربة، وأن التوجه العام هو التأجيل وترحيل الأزمة. فقد تحدثت مصادر أميركية عن أن هيغل كان قد بعث أخيرا بمذكرة إلى البيت الأبيض عبر فيها عن قلقه بشأن الاستراتيجية إزاء سوريا وطالب بموقف أكثر وضوحا فيما يتعلق بمستقبل نظام الأسد، كما حذر من أن تجاهل الموضوع السوري سيضر باستراتيجية أميركا لدحر «داعش».

إذا كان هذا موقف وزير الدفاع الذي وصف بأنه كان ينفذ سياسة البيت الأبيض بدقة رغم تحفظاته عليها، تصبح الخلاصة هي أن المشكلة في الاستراتيجية، وتصبح الرسالة هي أنه لا تغيير في سياسة الغموض والتردد، وأن التوجه هو ترحيل الأزمة والتركيز على مواجهة «داعش». إدارة أوباما كما يبدو تركز أيضا في هذه المرحلة على الملف الإيراني، وتستثمر كثيرا من الجهد والوقت في محاولة التوصل إلى تسوية فيه، وربما يصبح الملف السوري مرتبطا بما يحدث مع إيران، الحليف الأساسي لنظام الأسد. فإدارة أوباما كما يتردد تريد التعاون مع إيران، حتى ولو بشكل غير مباشر، في الحرب على «داعش»، وترى دورا لها في الحرب على الإرهاب سواء في العراق أو في سوريا.

الصورة تصبح أكثر التباسا لأن النظام السوري يستفيد بلا شك من غارات التحالف على مواقع «داعش»، ولم يخف اغتباطه بها إلى حد أن بعض وسائل إعلامه تحدثت عن حرب «في خندق واحد» مع أميركا ضد الإرهاب. فحتى إذا اعتبرنا أن النظام السوري يبالغ في هذا الوصف، فإن ما يجري تسريبه في العواصم الغربية عن خطط «للتهدئة» المرحلية في سوريا عبر هدنات محلية بين النظام والمعارضة «المعتدلة»، يؤكد أن التفكير السائد هو تأجيل البت في مصير النظام السوري وتخفيف الضغط على قواته لكي تواجه «داعش». بمعنى أوضح بات النظام السوري جزءا من الاستراتيجية الغربية لمواجهة ما يسمى «الدولة الإسلامية» ودحرها.

آخر تسريبات خطط «التهدئة» تمحور حول تقرير بعنوان «خطوات لحل الصراع السوري» أعده معهد الحوار الإنساني، وهو مركز دبلوماسي مقره جنيف. خطة التقرير جرى تداولها على نطاق واسع بعد تسريبها من قبل أحد أعضاء المركز الذي أرسل تفاصيلها إلى عدد من الصحافيين والمهتمين، وبالطبع فإن تسريب أمر إلى الصحافة يعني أن الغرض هو النشر مهما قيل خلاف ذلك. اللافت أيضا أن التسريب تزامن مع إعلان ستيفان دي ميستورا، المبعوث الثالث للأمم المتحدة منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011. عن اقتراح أو بالأحرى خطة للتهدئة، تنطلق بداية من «تجميد» القتال في حلب، لتخفيف المعاناة الإنسانية في المدينة. ويرى دي ميستورا أن الخطة إذا نفذت، ستكون نموذجا لاتفاقات أخرى في مواقع مختلفة.

هذا الطرح ذاته يمثل جوهر التقرير – الخطة الذي أعده خبراء معهد الحوار الإنساني وتوصلوا فيه إلى أن التهدئة المرحلية عبر اتفاقات هدنة محلية في المدن والمواقع المختلفة قد تشكل النموذج الأفضل لوقف العدائيات. ويستند المعهد في رؤيته هذه إلى صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل للهدنة بسبب تعدد الفصائل المعارضة والخلافات والتباينات بينها، ويرى أنه في غياب أي خطة بديلة واضحة من الدول الغربية وبالذات من الولايات المتحدة فإن الأمل الوحيد هو في تحقيق تهدئة متدرجة عبر اتفاقات هدنة جزئية ومحلية. وتفترض هذه الخطة أن تتبع الهدنات الجزئية، انتخابات للمجالس المحلية، وأن يهيئ ذلك لانتخابات عامة تحت إشراف دولي.

التقرير فيه خلاصتان ستصيبان المعارضة بالإحباط؛ الأولى أن «الحل في المستقبل القريب لا يتمثل في انتقال السلطة أو تقاسمها، بل في تجميد القتال والإقرار بأن سوريا أصبحت لا مركزية بفوهة البندقية». أما الخلاصة الثانية كما نشر في التسريبات فهي أنه من الأفضل الحفاظ على بنية الدولة حتى لو كان ذلك يعني بقاء سلطة النظام للمستقبل القريب، بدلا من المغامرة بانهيار النظام وضياع الدولة بوقوعها في أيدي «الجهاديين» الذين يتمددون على حساب المعارضة المعتدلة.

الأزمة السورية ستبقى كما يبدو في غرفة الانتظار لأنه لا توجد استراتيجية واضحة للحل، والمطروح الآن لا يعني سوى التأجيل سنوات قد تتغير خلالها الأوضاع والحسابات، أو في أسوأ الأحوال تتفكك سوريا بين الأطراف المتصارعة، مثلما تفكك العراق في ظل الفوضى، والصراعات الداخلية والإقليمية، والحسابات الدولية. فنحن نعيش كما يبدو مرحلة تدمير الدول وتفكيكها من الداخل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com