تدمير الأنفاق.. ضرب الصواريخ

تدمير الأنفاق.. ضرب الصواريخ

عبدالوهاب بدرخان

بدأت إسرائيل حملة عسكرية لوجستية لكشف أنفاقٍ حفرها «حزب الله» عبر الحدود، وتأكدت بعثة تقنية لقوات حفظ السلام الدولية في جنوب لبنان من وجود هذه الأنفاق، غير أن المراجع الحكومية اللبنانية شكّكت في ذلك وقالت إن إسرائيل «لم تقدّم دليلاً». وفيما باشرت بيروت إجراءات شكوى لمجلس الأمن تتناول الانتهاكات الإسرائيلية لسيادة لبنان وحدوده، تستعد تل أبيب أيضاً لشكوى مفادها أن الأنفاق خرقٌ لسيادتها وخطرٌ على أمنها. كان لافتاً أن الإعلام الإيراني أو القريب من «حزب الله»، تعامل مع القضية المستجدّة إما بالنفي والتجاهل أو بإدراجها في سياق النهج العدواني الإسرائيلي الثابت، لكنه لم يقترب من المعلومات التي كانت قليلة أيضاً من الجانب الآخر رغم أن الصحافة العبرية استفاضت في تغطية الحدث والتعليق عليه وعرض ارتياب المعارضة الإسرائيلية في نيات بنيامين نتنياهو، الباحث عن أي عمل خارجي يحرف الأنظار عن كونه ملاحقاً قضائياً في قضايا فساد.

واقعياً كانت الأنفاق حتى قبل أسبوع سرّاً شائعاً بين اللبنانيين، لاسيما الجنوبيين منهم، وطالما أنها موجّهة ضد العدو الإسرائيلي فقد فضّلوا الحفاظ على «السر»، لكن تداوله يعني أنه معروفٌ لدى العدو. لذلك كانت المفاجأة فقط في توقيت كشفه، فعلى فترات متباعدة نُشر سابقاً أن إسرائيليين يقطنون قريباً من الحدود أبلغوا سلطاتهم أنهم يسمعون خلال الليل أصواتاً تحت الأرض، والمؤكّد أن هذه السلطات كانت ترصد وتراقب وتسعى إلى معرفة التكتيك الذي يتّبعه «حزب الله»، ولم تقرّر التحرك إلا بعد أن تكوّنت لديها صورة واضحة، وإنْ بقيت لديها نقاطٌ غامضة. أما الواضح فهو أن «الحزب» خطّط لتسريب مقاتلين وأسلحة هجومية إلى مناطق متاخمة للتجمعات العسكرية داخل إسرائيل. يُذكر أن «الحزب» أطلق طائرات من دون طيار فوق شمال إسرائيل بهدف التصوير، وأن الأمين العام لـ«الحزب» قال أخيراً إن أي حرب تقع ستُنقل «إلى داخل إسرائيل»، وكان يمكن تفسير ذلك إما بأنه يشير إلى «صواريخ الحزب» التي دأب على التذكير بوجود عشرات الألوف منها، أو بأنه يلمّح إلى الأنفاق.

كان الحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزّة عام 2006 محفّزاً على اعتماد الأنفاق بين قطاع غزّة وسيناء، وغلبت الاعتبارات المعيشية والإنسانية على دوافع حفرها قبل أن يظهر خطرها على الأمن المصري. وفي صيف العام نفسه حصلت الحرب التي تركّزت في جنوب لبنان واعتُبرت دولياً بمثابة مواجهة إسرائيلية إيرانية، وكانت لها نتائج عدة، منها: 1) القرار الدولي 1701 الذي حصر أي وجود عسكري بالجيش اللبناني بغية إبعاد «حزب الله» ومقاتليه، 2) تهديد إسرائيل بأنها في أي مواجهة مقبلة ستحمّل المسؤولية لحكومتَي لبنان وسوريا ولن تتجنّب التعرّض للجيشين.

ولعل اضطرار «الحزب» للاحتجاب لم يمنعه من العمل تحت الأرض، فبعض معاركه في 2006 أظهر بدايات اعتماده داخل الأراضي اللبنانية على الأنفاق التي راح يعمل على تطويرها.

وعدا أن كشف هذه الأنفاق وتدميرها يُفقدان «حزب الله» سلاحاً مهمّاً، فإنهما يضربان أيضاً جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الإيرانية في جنوب لبنان، إذ كانت طهران تعتزم إرسال أفواج من ميليشياتها العراقية (خصوصاً «النجباء» و«عصائب الحق» و«كتائب حزب الله») عبر الأنفاق. وكان قادة هذه الميليشيات قد زاروا الجنوب اللبناني والتُقطت لهم صور على الحدود، وتزامن ذلك مع تصاعد الحديث عن قرب مواجهة إسرائيلية إيرانية في الجولان السوري. لكن هذه المواجهة طُويت أولاً بسبب الضربات الإسرائيلية لمواقع الإيرانيين وأتباعهم في سوريا، وثانياً لأن روسيا وضعت «فيتو» على أي صدام يشكّل خطراً على قواتها في سوريا. وبعد 2006 وضع الإيرانيون خطّة تجعل الجولان وجنوب لبنان جبهة واحدة معتمدة أساساً على القوة الصاروخية وصدّ السلاح الجوّي الإسرائيلي مع التقليل من احتمالات المواجهة البرّية.

يشكّل إقصاء الأنفاق خطوة إسرائيلية لتفادي الحرب داخلها، لكنها ربما تمهّد لعملية أكبر للتخلّص من الصواريخ التي تبقى الهدف الأساسي والأصعب للإسرائيليين، إذ يعلمون أنها نُشرت بإشراف إيراني داخل مناطق في عمق الأراضي اللبنانية، وأن الإيرانيين طوّروا أساليب الإخفاء والتمويه خلال العمليات. فأي مواجهة صاروخية ستكون مؤذية لإسرائيل لأن القبب الحديدية لا تصدّ سوى جزء محدود من المقذوفات، وأي عملية عسكرية لضرب الصواريخ تعني دماراً كبيراً في لبنان من دون أن تحقّق الهدف. والخلاصة أن أمن لبنان واللبنانيين هو آخر ما يُشغل إسرائيل وإيران و«حزب الله»، وحتى حلفاء هذا الحزب داخل الحكم اللبناني.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com