الإمارات و فرنسا.. جسور التواصل السياسي

الإمارات و فرنسا.. جسور التواصل السياسي

إميل أمين

تحت أي شعار يمكن للمحلل السياسي المحقق والمدقق أن يوصف العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وبين جمهورية فرنسا؟ بداية أضحت الإمارات حجر زاوية مكيناً في البناء العربي الشرق أوسطي عامة، وفي منطقة الخليج بنوع خاص، وقد تبوأت تلك المكانة من خلال أدوار رائدة على كافة المستويات، سياسياً واقتصادياً، اجتماعياً وحضارياً، وإنسانياً وإيمانياً، ولعل المتابع لسلسة المؤتمرات الأخيرة التي استضافتها الإمارات يستطيع الجزم بأنها أضحت رسالة أكثر منها دولة، رسالة للتسامح وللتعايش الإنساني الخلّاق والمشترك، ورسالة للإبداع والابتكار، وللوصل بين الأمم والشعوب، ولهذا يصدق ما قاله وزير خارجية فرنسا الأسبق«لوران فابيوس» من أن الإمارات هي جسر استراتيجي لفرنسا تمر منه إلى منطقة الخليج العربي.

على أن فرنسا ربما لا تحتاج إلى تعريف، فنحن نتحدث عن قلب أوروبا الثقافي والسياسي معاً، وفرنسا هي قلعة التنوير الأوروبية منذ قرون وعصور النهضة، كما أنها اليوم دون تهوين أو تهويل مركز الثقل العسكري الأوروبي، فجيشها يشغل المرتبة الرابعة حول العالم، وترسانتها النووية تمثل ضمانة معروفة لأوروبا منذ زمن الحرب الباردة وحتى الساعة.

من أبوظبي إلى باريس قصة شراكة استراتيجية عميقة ترسخت بقوة في العقدين الماضيين، شراكة تتجاوز البراجماتية السياسية بمفهومها ومعناها الضيق، وتنطلق إلى آفاق أرحب وأوسع تتصل بمستقبل المنطقة وقضاياها المعقدة والمتشابكة، عطفاً على الحرائق المشتعلة بها، والجميع يدرك ما للإمارات من مشاركات جادة وعميقة لتحريك المياه الراكدة وتسوية الملفات العالقة.

جاءت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى فرنسا الأيام القليلة الماضية تلبيةً لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في وقت مهم للغاية، يستدعي التواصل بين حليفين كبيرين حول العالم ولتحالفهما استحقاقات وتبعات يتطلع الجميع إلى نتائجها.

ولعل الملفات المفتوحة التي يمكن لباريس وأبوظبي العمل عليها معاً من أجل الصالح العام عديدة، وفي المقدمة منها الأزمة الإيرانية وتقاطعاتها وتجاذباتها مع أمن واستقرار منطقة الخليج ودولها، والإمارات بنوع خاص، وبخاصة أن الجميع يعلم احتلال إيران ثلاث جزر إماراتية ورفضها التخلي عنها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الزيارة تواكب فرض المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران، والأخيرة تُعول على أوروبا لتكون مهرباً لها، ما يمكنها من المضي قدما في برامجها النووية والصاروخية التي تهدد بشكل رئيس استقرار منطقة الخليج العربي وأمن وأمان المواطنين والقاطنين هناك.

بالقطع يمكن القول إن الإمارات هي شاهد عدل على طرائق إيران في التفكير والسعي في مسالك الهيمنة وتصدير الثورة إلى بقية جيرانها، وعليه فإن رؤاها حكماً ستدعم الأصوات الأوروبية التي ترى حتمية القطيعة مع طهران لأسباب يدركها الأوربيون تمام الادراك وفي المقدمة منها الإرهاب الإيراني المتصاعد على الأراضي الأوروبية، الأمر الذي انعكس في الأيام القليلة الماضية على صعوبة إيجاد دولة أوروبية تقبل بأن تكون المقر الخاص بالآلية التي فكر فيها بعض من الأوروبيين لتسهيل التعاطي التجاري مع إيران، ما دعا المسؤولين الإيرانيين الرسميين لوصف العلاقات الإيرانية الأوروبية بأنها علاقات شكلية ليس أكثر.

تتبدى أهمية الزيارة والتشاور المستمر بين القيادة الإماراتية والفرنسية من خلال النظر إلى أهم القضايا المطروحة شرق أوسطياً هذه الأيام، وليس سراً أن هناك اتجاهاً أوروبياً صاعداً ومتنامياً لتخليق مسارات سياسية مستقلة عن التبعية الأوروبية التقليدية للولايات المتحدة الأميركية، تلك التي جرت بها المقادير منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة.

أوروبا اليوم وبقيادة فرنسية تعرف مدى أهمية الدور الاستراتيجي للإمارات في الدفاع عن الشرعية في اليمن والتصدي لـ“الحوثيين“ في الحرب الدائرة هنا، والقاصي والداني يعلم أنه لولا الدور الذي قامت به قوات التحالف السعودية الإماراتية هناك لربما كانت اليمن قد انزلقت في إطار الهمينة الإيرانية المطلقة، ومعنى ذلك أن أبوظبي والرياض لم يكونا ليرغبا في الحرب، والآن والأحاديث جارية عن محاولة إنهاء الصراع الدائر هناك، فإن فرنسا يقع عليها عبء أخلاقي وسياسي كبير تجاه علاقتها مع إيران المحرك الفعلي للأزمة اليمنية من خلال أدواتها المتمثلة في الميليشيات ”الحوثية“ المسلحة القائمة هناك لتسبب الأذى لجيران اليمن كل يوم.

ضمن الزيارة ولا شك كانت القضية الفلسطينية التي دعمها زايد الخير، رحمه الله، منذ زمن بعيد، واليوم والتحركات الأميركية تتسارع لجهة القول بأن ما أطلق عليه صفقة القرن سوف تعلن رسمياً في فبراير القادم، فإن الإمارات لابد وأنه سيكون لها رأي في الترتيبات القادمة والقائمة على حد سواء، فيما فرنسا تأمل أن تبقى شريكاً وهي صاحبة الخبرة التاريخية في جمع الفلسطينيين والإسرائيليين معا، فقد كانت باريس الفاعل الرئيس من وراء الستار في أوائل التسعينيات في الوصول إلى اتفاق أوسلو ومن دون علم واشنطن؟

وباختصار غير مخل، فإن الجسر الفرنسي إلى الشرق الأوسط والخليج العربي بات اليوم فاعلاً وناجعاً من خلال الشراكة مع الإمارات، ويبقى الحديث عن العلاقات من جانب ثقافي وإنساني وهذه قصة أخرى.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com