”حرب استقلال“ بريطانية عن أوروبا – إرم نيوز‬‎

”حرب استقلال“ بريطانية عن أوروبا

”حرب استقلال“ بريطانية عن أوروبا

إلياس حرفوش

تبدو بريطانيا في المفاوضات التي تخوضها مع الاتحاد الأوروبي لإنجاز معاملات الطلاق وكأنها تخوض حرب استقلال لم تخض مثلها من قبل. فهذه الجزيرة التي تفاخر بأنها الدولة «العظمى» هي الوحيدة بين دول العالم التي لم تكن بحاجة للتحرر من هيمنة أي قوة أخرى. على العكس كانت معظم الدول التي وقعت أسيرة الإمبراطورية البريطانية هي التي سعت إلى التحرر منها، ومن هذه الدول بالطبع الولايات المتحدة.

وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل عدداً غير قليل من السياسيين البريطانيين يستفظعون اليوم القيود التي يواجهونها في محاولتهم «الاستقلال» عن الاتحاد الأوروبي. فهم لم يواجهوا مفاوضات كهذه من قبل. ومنذ سنتين تصارع بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي على تنفيذ خطة للخروج، بعد الاستفتاء الذي جرى في يونيو (حزيران) 2016 وصوّت فيه البريطانيون بأكثرية بسيطة (51 في المائة مقابل 48) على ترك ذلك النادي الذي دخلوه قبل 45 سنة، عندما كان يحمل اسم «السوق الأوروبية المشتركة». ومع اقتراب الموعد المقرر لطلاق بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي في 29 مارس (آذار) المقبل، أخذت العقبات تتضح أكثر فأكثر والعقد تتزايد بشأن الخطة الأفضل لتنفيذ نتيجة التصويت في ذلك الاستفتاء.

سئل البريطانيون في الاستفتاء: هل تؤيد البقاء في الاتحاد الأوروبي أم الخروج منه؟ بدت الإجابة عن السؤال بسيطة في ذلك الوقت. وفي ظل موجة عارمة من إذكاء المشاعر الشعبوية، أخذ القائمون عليها من أكثر سياسيي الصف اليميني في بريطانيا يحذرون من عواقب الاستمرار في عضوية الاتحاد وما سينتج عنها مما اعتبروه «احتلالاً» أوروبياً للندن، جاءت النتيجة بالطريقة التي جاءت بها. وكانت مفاجئة لكثيرين من المراقبين، الذين كانوا يتوقعون أن العقود التي انقضت على الحدود المفتوحة بين بريطانيا وأكثر جيرانها قرباً منها، سواء على مستوى العلاقات البشرية أو الاقتصادية والتجارية، ستكون كافية لإقناع البريطانيين بطي صفحة الحنين إلى الإمبراطورية القديمة، والاقتناع بأن العلاقات بين الدول في عالم اليوم تقوم على المصالح المشتركة والحدود المفتوحة وليس على إذكاء الأحقاد القديمة.

مع تقدم مفاوضات الخروج من الاتحاد، أخذت الحقائق تظهر أمام عيون البريطانيين واحدة تلو الأخرى. حقائق مغايرة لكل الوعود التي أغدقها عليهم المتعنتون في مواقفهم من مسألة العلاقات الأوروبية، مثل وزير الخارجية السابق بوريس جونسون وعدد آخر من الأعضاء البارزين في حزب المحافظين وحزب «الاستقلال البريطاني» الذي كان يتزعمه نايجل فراج، واختفت آثاره الآن.
ظهر مثلاً أن فاتورة الخروج ستكون كبيرة لتغطي التزامات بريطانيا حيال مؤسسات الاتحاد، وتقدر أرقامها بما يقارب 40 مليار جنيه إسترليني (نحو 52 مليار دولار). وأخذت المؤسسات المالية وكبرى الشركات تحذر من عواقب الطلاق على المستقبل الاقتصادي والمالي للبلد وعلى موقع لندن كمدينة كوزموبوليتية أوروبية كبرى تستقطب رجال الأعمال من مختلف أنحاء العالم. ظهر أيضا أن غياب اليد العاملة الأوروبية عن مستشفيات بريطانيا ومدارسها ومؤسساتها التجارية سيخلق فراغاً كبيراً في هذه القطاعات. لكن العقبة الأكبر تمثلت في مسألة الحدود بين جمهورية آيرلندا (وهي عضو في الاتحاد الأوروبي) ومقاطعة آيرلندا الشمالية (وهي جزء من المملكة المتحدة). ذلك أنه بموجب التسوية التي وضعت حداً للحرب الأهلية في تلك المقاطعة بين أبنائها الكاثوليك والبروتستانت، تقرر إبقاء الحدود مفتوحة في الجزيرة الآيرلندية بين الشمال والجنوب، ما يعني استحالة فرض رقابة على تنقل الأشخاص والبضائع بين الجمهورية في الجنوب والإقليم الشمالي، كما يفترض أن يحصل بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، ذلك أن الحدود بين الجانبين ستصبح الحدود الوحيدة القائمة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. لهذه الأسباب تواجه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مشاكل كبيرة في مفاوضاتها الحالية مع الأوروبيين للتوصل إلى صيغة مقبولة، يتم بموجبها احترام نتيجة الاستفتاء من جهة، والمحافظة على الوضع القائم في آيرلندا من دون قيام حواجز أو حدود جديدة من جهة أخرى، إضافة طبعاً إلى أهمية المحافظة على العلاقات الودية بين بريطانيا وجيرانها بسبب الحاجة المشتركة للتعاون في مجالات كثيرة أهمها مجال الأمن والاستخبارات.
لا تُحسد ماي على المهمة التي تقوم بها. فهي تصارع على جبهات عدة، مع خصومها في حزب المحافظين، ومع مقاطعة اسكوتلندا التي صوّت أبناؤها بأكثرية كبيرة للبقاء في الاتحاد، ويهددون بالاستقلال عن بريطانيا إذا لم تتم صفقة الخروج بالطريقة التي ترضيهم. كما تصارع ماي مع الأوروبيين الذين كانوا يميلون منذ البداية إلى المحافظة على عضوية بريطانيا في الاتحاد، ولا يرغبون في تقديم تنازلات كبيرة تجعل مسألة الخروج مغرية لأعضاء آخرين، خصوصاً في ظل تنامي المد الشعبوي ومشاعر الاستقلال الوطني في عدد من الدول الأوروبية.
لم يأتِ التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي من فراغ. ومن الضروري وضعه في السياق التاريخي للعلاقات البريطانية – الأوروبية. فمواقف السياسيين البريطانيين حيال الاتحاد الأوروبي ظلت من الأساس متأرجحة بين الحماس والتردد. في البداية واجه الجنرال شارل ديغول الطلب البريطاني لعضوية السوق المشتركة سنة 1961 بالفيتو، لأنه كان يدرك أن المناخ السياسي في بريطانيا لن يسمح لها بالاندماج الكامل في المشروع الأوروبي، كما كان يطمح آباء هذا المشروع، وأبرزهم المستشار الألماني كونراد أديناور والسياسي الفرنسي جان مونيه. غير أن رئيس الوزراء إدوارد هيث (من حزب المحافظين) حسم أمر عضوية بريطانيا في السوق المشتركة التي انضمت إليها في مطلع العام 1973، ثم كان الاستفتاء الذي أجراه خلفه هارولد ولسون (من حزب العمال) لحسم الجدل الذي كان قد بدأ منذ تلك الخطوات الأولى بشأن العضوية البريطانية، وجاءت النتيجة سنة 1975 لمصلحة البقاء في النادي الأوروبي.
لكن العلاقة بين الجانبين بقيت متحفظة. احتفظ البريطانيون بعملتهم (الجنيه الإسترليني) بعد اعتماد معظم دول الاتحاد الأوروبي اليورو كعملة لها. كما رفضوا الانضمام إلى معاهدة شنغن التي أقرت نظاماً للتأشيرة الموحدة إلى الدول التي أقرت المعاهدة. وبقي العلم الأوروبي غائباً عن المؤسسات الرسمية البريطانية على عكس ما هو حاصل في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
علاقة ملتبسة يعود بها معارضو المشروع الأوروبي، وهم موزعون على مختلف الأحزاب البريطانية، إلى أيام الصراع مع نابليون وحتى إلى زمن النازية وصعود أدولف هتلر. هؤلاء يعتبرون أن «استقلال بريطانيا» هو الذي يستطيع أن يحميها من مد «الغزوات» الخارجية. ولا ينظر أكثرهم تطرفاً إلى عضوية الاتحاد الأوروبي إلا على أنها «غزو» تقوده ألمانيا وفرنسا لقيم بلادهم ولمؤسساتها القضائية والمالية. لهذا تتكرر عبارة «استقلال» على لسان كل المدافعين عن مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: نريد الاستقلال. نريد أن نستعيد سيادتنا على حدودنا وعلى قرارنا. نريد أن يصوّت برلماننا وحده على القرارات التي تعنينا من دون تدخل أطراف خارجية في ذلك.
استقلال بريطانيا، إذا نجح، سيكون مكلفاً في نظر كثيرين لها وللاتحاد الأوروبي. وسوف تثبت نتائج هذه التجربة الصعبة أن انحسار الدول، مهما بلغت «عظمتها»، إلى داخل حدودها، لم يعد خياراً واقعياً قابلاً للنجاح.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com