بيان ”المركزي“ الفلسطيني وحمولته الزائدة – إرم نيوز‬‎

بيان ”المركزي“ الفلسطيني وحمولته الزائدة

بيان ”المركزي“ الفلسطيني وحمولته الزائدة

عدلي صادق

في سوريا الستينيات، عندما كان استيراد الكماليات ممنوعاً، وتُعدّ السيارات من بين الكماليات؛ لجأ الحرفيون السوريون المهرة في حلب، إلى صنع هياكل سيارات الشحن الخفيفة، اللازمة للمعامل والمتاجر، وتشغيلها بمحركات الدراجات البخارية الميسور استيرادها، بقدرة 250 سي سي المتواضعة. وفي أقصى حالات الاستخدام، كان يجري تحميل تلك “السيارات” بأكثر كثيراً مما تُطيق، كأن يزج تاجر لحوم، بأربعة عجول أو أكثر، في صندوق السيارة، ما يجعلها تتحرك بكثير من الضجيج والدخان، وقليل جداً من القدرة على الحركة. تراها تنفث دخانها ويطغى صوتها، بينما هي تتحرك بسرعة السلاحف. فلا وسيلة النقل قادرة على الحمولة، ولا أعصاب المارة تحتمل الضجيج والدخان.

لعل هذه المقدمة، تناسب التعليق على بيان وقرارات “المجلس المركزي الفلسطيني” الذي اختتم أعماله مساء الاثنين في رام الله، وقد جرى تحميله بأربعة عجول ثقيلة: تعليق اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ووقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله، والانفكاك الاقتصادي على اعتبار أن المرحلة الانتقالية، بما فيها “اتفاق باريس” لم تعد قائمة، وتحديد ركائز وخطوات عملية للاستمرار في عملية الانتقال من مرحلة السلطة إلى تجسيد استقلال الدولة ذات السيادة، واستعادة غزة من حماس.

ربما تكون البنود الأخرى، في ما قرره مجلس عباس “المركزي” الذي قاطعته معظم القوى الوطنية، فضلاً عن حركتي حماس و”الجهاد الإسلامي” قد جاءت في شكل نداءات أو في صيغة امتداح يبدأ بكلمات مثل “يدعو ويُحيّي ويُثمّن”. ومن يتأمل البنود التي جاءت بعد الأربعة الثقيلة، يشعر أن كلمات التثمين والرجاء والامتداح، هي الأوجب أن تبدأ بها الأيقونات الأربع، بصيغة التمني.

ذلك لأن البدء بالقرارات الشائكة والأصعب، على الرغم من وجوبها ووجاهتها من حيث المبدأ؛ يخلق سريعا الانطباع بعدم الجديّة، وأن الأمر لا يعدو كلاماً مُرسلاً، لا علاقة له بالعزائم، ولا بالمُضمر في عقل الرجل الذي يقرر وحده. ذلك علماً بأن هذا الرجل نفسه، وهو رئيس السلطة والمنظمة وحركة فتح، وعد بأن يخرج مجلسه بقرارات حاسمة، وألمح إلى أن هذه القرارات تتعلق بحماس وغزة وبالتنسيق الأمني وغيره، ولم يستطع أحد أن يتخيل كيف سيحسم. وفي الحقيقة، بدت المسألة، أشبه بعملية فصلٍ بين منطوق الكلام ووقائع الأعمال. ولكي لا نظلمه بأكثر مما فعل، نؤكد هنا أن أسباباً موضوعية تجعل من الصعب عليه، إن لم يكن من المستحيل، تنفيذ ما جاء في بيان مجلسه “المركزي” الذي قاطعته الأطراف.

السبب الأول، وهو أب الأسباب وأمها، أن السلطة الفلسطينية قامت على شروط اتفاق أوسلو، ومن بينها الاعتراف بإسرائيل، والقبول ببروتوكول باريس الاقتصادي، الذي يجعل كل الإمدادات لأراضي السلطة تصل عن طريق إسرائيل التي تفرض عليها رسوماً قبل وصولها إلى الأسواق الفلسطينية. وكذلك فإن سيطرة حماس على غزة، في يونيو 2007 وقعت تحت سماء مكشوفة، ولم تكن إسرائيل معنية بمنعها، لأنها وجدت فيها ضالتها، بينما صبرت السلطة على عجزها عن أي حراك، ولم تسع فتح، بالوسائل التنظيمية والسياسية إلى شد أزر منتسبيها، والتأسيس لتيار وطني قوي في غزة، يمارس فعاليات الاحتجاج والضغوط اليومية، لإنزال حماس عن الشجرة، بحراك اجتماعي جارف. فالعكس هو الذي حصل، إذ جرى في العامين الأخيرين، خنق الموالين بذريعة إخضاع المعارضين، وكأن حماس سوف ترضخ لضغوط لا تقع عليها، وإنما تقع على موالي فتح والسلطة، وعلى المجتمع الفلسطيني في غزة.

السؤال هنا: طالما أن الأمر كذلك، لماذا يتيح رئيس السلطة، لمجلسٍ طوع بنانه، تحميل بيانه كل هذه الحمولة الثقيلة، علماً بأنّ الرجل لا يميل إلى الدعابة على هذا الصعيد، ولا هو في حاجة إلى المزيد من النقد من الناقمين كلما كان يخلف ميعاداً، ولا هو يجهل صعوبة تلبية ما يقرره المجلس ويُحيله إليه للتنفيذ؟

ليس هناك سوى جواب واحد، ينتمي إلى جنس العلاقات العامة، وهو أنه يحتاج إلى صوت في إهاب بيان صادر عن “مجلس مركزي” لإظهار حجم الضغوط عليه، لعل الجاحدين الأميركيين والإسرائيليين، يلبون له القليل مما يسعى إليه. والفلسطينيون بدورهم، الذين شاركوا في الاجتماع، أو قاطعوه، أو تابعوه، يريدون شيئاً آخر، لعله أراد التملص منه في معية السبب الأول المتعلق بإظهار حجم الضغوط.

الشيء الآخر، هو إعادة بناء الاجتماع السياسي الفلسطيني ومؤسساته، وتكريس مبدأ المسؤولية الجماعية، وإنهاء مرحلة التفرد بالقرارات، والتمكين للإرادة الشعبية بأي وسيلة متاحة لمن تتوفر لديه القناعة بالتمكين للإرادة الشعبية. ففي هذا الوضع الفلسطيني الداخلي المُزري الذي هبطت فيه الصفة التمثيلية لمن يقف على قمة هرم السلطة إلى الحضيض، أراد الرجل أن يقول إن لديه الأهم من الواجبات، تماماً مثلما تفعل الديكتاتوريات، عندما تصادر الداخل وتعيث فيه فساداً، بذريعة التصدي للخارج وللقضايا المصيرية. غير أن أعراض التردي على كل صعيد، تحت حكم عباس وحماس، بلغت حد أن تخصص منظمة “هيومان راتس ووتش” 149 صفحة، لانتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب بأيدي سلطتي الحكم في الضفة وغزة!

يمكن لعباس أيضاً، أن يفصل بين قرارات المنظمة وقوة أحصنة المحرك الذي يملكه، فيقول إن الثاني لا يقوى على تلبية ما تطلبه الأولى، علماً بأنه حاول تعويض الفراغ المؤسسي للسلطة، باستدعاء المنظمة التي طالبت هي نفسها، في بيان مجلسها المركزي الذي اصطفى محمود عباس أعضاءه، بإعادة تأسيس دوائرها.

انعقد “المجلس المركزي” وانفض مساء الاثنين، لكن محرك الشاحنة التي صُنع لها قفص كبير في حلب، سرعان ما ينفصل ويعود إلى هيكل الدراجة البخارية التي تنطلق إلى وجهتها!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com