وفود وحشود وسيجار معتّق!

وفود وحشود وسيجار معتّق!

مشاري الذايدي

يقال إنك إذا زرت بلدا ما، فإن سلوك قادة السيارات في الطريق أو مستوى النظافة في الحدائق والميادين العامة، ومواصلات النقل العمومية، هو خير دليل ينبئك عن أخلاق وثقافة أهالي ذاك البلد الذي أنت فيه، لأنك لن تستطيع أن تجالس وتختبر كل إنسان وكل أسرة من هذا الشعب على حدة.

معيار يبدو منطقياً ومقنعاً، هذا على المستوى العام، وعلى المستوى الأقل عمومية، كيف نستطيع فحص وعي وعقل وثقافة «النخب» الخاصة، التي تدير شأن البلاد والعباد، أهل السياسة ومسيّري أمن الشعوب ومعيشتهم؟

كيف نتمكن من قراءة مؤشرات أولية عن هذه النخب؟

لست أدري، ربما كيفية إفادتهم من الخزينة العامة لصالح ترفهم الشخصي في السفر والوفود العامة والسيارات والحراسات المرافقية والوظائف الوهمية للأتباع والحاشية على حساب المال العام للدولة.

يؤثر عن رئيس عربي حين وصل للرئاسة أنه قال لعشيرته وأهالي ضيعته: إذا خرجت من الرئاسة وظلّ فيكم فقير، فسأضع مسدسي على صدغه! غير أني قرأت صورة ظريفة أوردها الكاتب الإماراتي المتنوع ناصر الظاهري في مقالته بالصفحة الأخيرة بجريدة «الاتحاد»، فكان مما ذكره، بحذر، أن قال:

«كما وصلني، بتصرف، أن عدد سكان الصين ملياران، ويزيد، واقتصادها من أقوى اقتصادات العالم، وكان الوفد الرسمي المشارك في مؤتمر الأمم المتحدة في نيويورك 17 شخصا من النخبة المتخصصة، كل في مجاله، نقلتهم طائرة صينية في رحلتها العادية… لبنان اقتصاده منهار، وهو في الأساس يعتمد على الآخر، والفساد جعل الكل يسرق البعض، والبعض يسرق الكل، عدد سكانه 3.5 مليون نسمة، ويقل بسبب الهجرات، وكان الوفد اللبناني المتوجه إلى نيويورك 400 شخص استقلوا 4 طائرات تابعة للشركة الوطنية الناقلة، التي تخضع للمحاصصة، شأن كل شيء في لبنان».
ويضيف عن مساخر المؤتمرات العربية للوفود الثقافية و«طليعة» الشعوب الواعية، وهي من حصيلة رصد ومعاينة سنوات للكاتب، فذكر من ذلك أنه «في تلك المؤتمرات العربية الكثيرة والمختلفة رأينا ربطات عنق كاذبة، و(سيجارا كوهيبيا) لا يمكن وصفه إلا بالنصّاب (…) حتى إن البعض الذي كان قبل أيام في المؤتمر ينادي بالشفافية وحقوق الإنسان ومساندة الشعوب في تحقيق مصيرها، كان يُهرّب كراتين لـ(حاجات مستوردة)، ويتهرب من الجمارك».
وعليه أيها النبيه، دعك من كثرة الحكي المزبد المرغي عن الثورة والتحرر والاستقلال والحضارة، لاحظ فقط مستوى الانضباط المروري ونظافة الحدائق العامة، للعامة، وللخاصة، وتكلفة الوفود المسافرة، ونوعية ربطات العنق، وعبق السيجار المعتق، وكل الرفاهيات المدفوعة من خزينة الدولة الجريحة والمثقوبة بعشرات الثقوب.
والله أعلم!

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com