تمديد أو لا تمديد… ليست هي المسألة – إرم نيوز‬‎

تمديد أو لا تمديد… ليست هي المسألة

تمديد أو لا تمديد… ليست هي المسألة

حسام عيتاني

للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية في لبنان، يمدد مجلس النواب لنفسه ولاية كاملة من أربع سنوات، مقدماً دليلاً إضافياً على عمق الأزمة الشاملة التي علق هذا البلد وسطها. وباستثناء احتجاج بعض الناشطين الذي بدا كرفع عتب عن المجتمع اللبناني، مرّ التمديد وسط اجماع وتواطؤ الطبقة السياسية وجمهورها الأعرض.

وإكمال التمديد الجزئي الأول الذي أقره المجلس النيابي في 2013، يشير، بين أمور اخرى، الى بقاء بل تصاعد اجواء حالت دون اجراء الانتخابات النيابية في موعدها. وهي أجواء تتضافر فيها علامات انهيار الدولة والمجتمع اللبنانيين من جهة، وتفكك دول الجوار في ظل شبح الحرب الطائفية من جهة ثانية.

والحال ان سلطة وحكومة عجزتا عن اجراء امتحانات مدرسية رسمية وعن تسوية قضية سلسلة رواتب الموظفين التي تراوح مكانها منذ اعوام، وتديران من دون كفاءة قطاعاً عاماً مشلولاً وفاسداً، وتتفرجان على انهيار الخدمات العامة وتضاؤل القدرة الشرائية للمواطنين واختفاء قطاعات اقتصادية بكاملها كالسياحة، اضافة الى ضغط اللاجئين السوريين الاجتماعي والسكاني (واستطراداً الاقتصادي والسياسي) وتسرّب الحرب السورية الى الداخل اللبناني، يصعب تصورهما بقادرتين على التقدم في معالجة الأزمات السياسية، سيان صدرت من عوامل داخلية او خارجية.

ادراك السياسيين اللبنانيين للأجواء هذه ساعدهم على تبرير بقاء نوابهم في مناصبهم، فزادوا من تهويلهم بالانفلات الأمني الذي قد يرافق العملية الانتخابية مشددين على عدم امتلاك الأجهزة الرسمية اللبنانية القدرة على مواجهة اضطراب حبل الأمن في حال وقوعه، إضافة الى رفع شبح الفراغ الذي قد يحل بعد انتهاء ولاية المؤسسة الدستورية (وكأن ما يشهده اللبنانيون ويعيشونه مثال على الحياة الدستورية السليمة!). الأصرح من بين النواب قال إن إجراء الانتخابات في ظل الظروف الحالية ووفق القانون الانتخابي المعمول به اليوم، والعائد الى 1960 مع بعض التعديلات التي فرضها اتفاق الدوحة في 2008، سيفضي من دون شك الى اعادة الأكثرية الساحقة من اعضاء المجلس الحالي الى مواقعهم.

ثمة وجاهة في الحجة الثانية. ذلك ان إمساك حركة «امل» و»حزب الله» بالتمثيل الشيعي غير قابل للنقاش. وكذلك الأمر بالنسبة الى تمثيل وليد جنبلاط للدروز. وعلى غرار ما جرى في الانتخابات الاخيرة في 2009، ستقع معركة ضارية في صفوف المسيحيين بين «القوات اللبنانية» وبين «التيار الوطني الحر»، من دون ان تشهد تغيراً جذرياً في خطوط الانقسام المسيحي. والانحسار الذي شهده «التيار الوطني» في المراحل الاولى للثورات العربية، عوضه وربما زاد عليه صعود الخطر الداعشي واخفاق الثورات في أكثرية البلدان التي شهدتها، ما أضفى قدراً أكبر من الصدقية على خطاب تخويف الأقليات في سبيل استرهانها ومن ثم استتباعها.

المجهول الأكبر في أي انتخابات مقبلة يقبع على الساحة السنية. فهذه شهدت تغييرات كبيرة في الاعوام الاربعة الماضية حيث استمر اضعاف تيار «الاعتدال السني» لمصلحة الجماعات الأكثر تقبلاً للفكر الأصولي الجهادي. وفي وسع المتحدثين باسم الجماعات هذه والذين يحافظون في الوقت ذاته على مسافة آمنة معها لاتقاء شر التورط في أعمالها العنفية، البناء على «الإحباط السني» او الضائقة التي تعيش في كنفها هذه الطائفة منذ اغتيال زعيمها رفيق الحريري ثم اجتياح مدينتها الأكبر بيروت وسلسلة طويلة من الصدامات مع «الشيعية السياسية»، مباشرة او بطريقة اخرى كما جرى في عبرا (2013) وعرسال وطرابلس (2014).

سبر التبدلات في ولاءات وميول السنّة اللبنانيين يحتاج الى عملية انتخابية تقول بعض استطلاعات الرأي والقراءات الميدانية إنها ستكون مفاجئة في مدى تأييدها، خصوصاً في الأرياف الفقيرة وأحزمة البؤس الجديدة، لقوى من نوع «جبهة النصرة» و «داعش»، ما سيفرض على زعماء السنة التقليديين، المدينيين، تحديات هائلة لإعادة استمالة جمهور خابت آماله مرات ومرات. لكن هل يخشى «المعتدلون السنّة» حصول الانتخابات قبل نجاحهم في العودة القوية الى ساحاتهم وجمهورهم؟ هل يستطيعون، في المقام الاول، تقديم مشروع مختلف غير الوعد بدولة تتفكك امام أنظار الجميع وتخضع لسيطرة متزايدة من الخصم الشيعي؟ لا أجوبة جاهزة في منأى عن صناديق الاقتراع.

يرسم هذا التشخيص معادلة من عنصرين. الاول ثابت وقارّ عماده قوة تمثيل «امل» و «حزب الله» الكاسحة للطائفة الشيعية. والثاني متحرك وشديد التأثر بالتغيرات المحيطة، ويتقدمه السنّة المحبطون ويتبعهم المسيحيون القلقون من مستقبل غامض.

وعلى ثبات الشيعة وتحرك السنّة والمسيحيين، لا يصعب فقط تصور اجراء انتخابات نيابية تنطوي على حد ادنى من تجديد النخبة الحاكمة، بمعنى اضافة آراء وتوجهات حديثة عليها (وليس ضم نواب من صغار السن اثبتت اكثريتهم في كل مناسبة انها أكثر جهلاً وسطحية من المتقدمين في العمر)، بل يصعب خصوصاً الاعتقاد بإمكان متابعة الحياة السياسية في البلد خارج المسار الحالي، أي خارج التفكك البطيء والسير المتمهل نحو الدولة الفاشلة. المفارقة هذه المرة ان «بناء» الدولة الفاشلة يجري بجهود ذاتية ومحلية بعد استنكاف الخارج عن الاهتمام بلبنان، سواء لتفجيره على ما كان يجري في عقود سابقة او لفرض صيغة موقتة من السلم عليه، مثل اتفاق الطائف.

هنا تبدو الانتخابات مجرد فرصة ضائعة اضافية للمّ خِرق دولة ووطن، ولإرجاء انهيارهما الماثل امام الجميع.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com