شباب غزة على طريق الهجرة

شباب غزة على طريق الهجرة

...

عدلي صادق

في كل يوم يتلقى المقيم الفلسطيني في الخارج، عبر نافذة الحوار الفيسبوكية، مناشدات من بعض أعزائه في غزة، تطالبه بالتدخل الاستثنائي لعمل تنسيق سفر لأحد الشباب، إلى مصر أو تدبير “فيزا” له ليسافر إلى أي بلد، أو شراء بطاقة سفر إلى بلد لاتيني أو آسيوي لا يشترط تأشيرة الدخول.

وتتعلق معظم المناشدات بالشباب لأسباب ودوافع تُدمي القلب. فهناك نحو مئتي ألف شاب خريج من الجامعات في جميع التخصصات، أصبحوا في حال الفاقة ومنهم من يعملون باعة متجولين أو يشتغلون بالسخرة بأجور لا تسد الرمق. وما يُدمي القلب أن من نجحوا في الخروج إلى مصر، ويتكدسون الآن، في القاهرة أو في إسطنبول، بعد اضطرارهم إلى إرسال جوازات سفرهم مرة أخرى إلى غزة، لشراء تأشيرات زيارة إلى تركيا “المتضامنة”، بمال مستدان أو باكتتاب عائلي للتبرع، وهؤلاء بعد الوصول إلى إسطنبول، تتعثر دروب انتقالهم إلى مقاصدهم الأخيرة وتضيق بهم سبل العيش في سوق عمل تركية مرهقة بأثقالها الذاتية والموضوعية، بل تضيق بهم سبل العودة إلى غزة، على الأقل بسبب عجزهم عن دفع كلفة هذه العودة، أو العجز عن دفع غرامة التأخر في مصر دون الحصول على سمة الإقامة.

وما يؤلم أكثر فأكثر، أن المتكدسين في تركيا، لا يملكون دفع “أتعاب” المهربين، الذين يتكفلون بإيصالهم إلى الجانب اليوناني. فمن يستطيعون من هؤلاء تدبير المبالغ، يكتشفون عجزهم في السوق اليونانية، التي تلعب بالبيضة والحجر، لكي يدفع اللاجئ ثمن إيصاله إلى الداخل الأوروبي الذي يستقبل اللاجئين. فاليونان لديها ضائقتها، ولولا المنظمات الدولية التي هرعت لإغاثة اللاجئين الذين يصلون إليها، وتصريفهم إلى بلدان لجوء أخرى؛ لكان الموت في برد الشتاء القارس، من نصيب اللاجئين المتكدسين في خيام اصطياف صغيرة، تتسع لاثنين بالكاد، دُقت أوتادها في جزر شبه خالية وحُشرت بأسر من سوريا أو من غيرها. فتلك المنظمات الدولية، لم تعد قادرة بسبب شُحّ مواردها وتراجع المساهمين في موازناتها.

على طرق الوصول إلى أوروبا، يمر اللاجئ الغزي، بالعديد من كمائن الابتزاز والتربح من مآسي الناس. وهذا ما يحدث على صعيد طريق أقصر، للاجئين من شعوب أخرى، يحكمها فاسدون وناهبو ثروات بلدانهم. وبعض طرق الغزيين خطرة إذ تتقاطع مع نقاط أمنية تتوجس فيها القوى الأمنية من الإرهاب وتنقلات الإرهابيين، كالصحراء الغربية المصرية والشرقية الليبية. وسُمعت روايات عن تائهين ومجموعات غدر بها المهربون هامت في الصحراء وأصبح مطلبها قطرة ماء، إذ لم تصل إلى البحر لركوب الأمواج على خطورتها.

على طرق الهجرة، هناك أطراف كثيرة تبيع “خدماتها” والبؤساء يبتاعون مضطرين ويشترون وقع خطواتهم، حتى وهي تأخذهم إلى الفشل أو الموت. الأتراك يعرفون أن من يشتري التأشيرة في غزة، يطلب الهجرة. والضالعون في بيع فرص الدخول إلى مصر يعرفون التفاصيل، واليونانيون يعرفون، وماليزيا تعرف. فما إن يصل إليها الراغب في الانتقال منها إلى مهجر كريم؛ حتى يُطالب اللاجئ الهارب من الجحيم، برسوم الإقامة أو الخروج والعودة إلى كوالالامبور بكفالة مالية.

واللافت أن الأسواق كلها، أسواق مسلمين في بلدان الجفاء الإنساني والاستبداد. فلا هم يهود ولا مسيحيين. بل إن الطرف المسيحي في الدول الديمقراطية -وهنا المفارقة- هو الطرف المقصود الذي تتوافر لديه احتمالات الرحمة، وأن يعطي ولا يأخذ، وأن يُغيث ولا يؤلم. ومن بين أبرز المشاركين في الإيلام والتربح، وسطاء موصولون بسلطات بلدانهم، وهي -وهذه مفارقة أخرى- صاحبة ثرثرات متدفقة عن نصرة القضية الفلسطينية والتعاطف مع غزة في محنتها!

الأدهى من ذلك، أن ولاة الأمور أنفسهم، يمثلون مبتدأ السبب وخبره في صنع المحنة، وهم مصدر الدفع الأشد مضاضة، وبعض هؤلاء من أصحاب خطاب الطنين الجهادي أو التأسي على حال فلسطين. فمحمود عباس يقاوم “صفقة العصر” بتشريد الناس وسد الآفاق أمامهم، وبالإعلان عن التوافق بالنسبة المئوية الكاملة إلا واحد، مع جهاز “الشاباك” الإسرائيلي، كمن يقاوم لكي تخلو غزة من سكانها، فتستريح الأطراف كلها من الشباب المتعلم وتنقرض الأسر، وتصبح غزة، محض شاطئ ومنتجع، لشركات استخراج الغاز الذي على ساحلها، ويستفيد الأبناء والموالون. وحماس تريد تقليص حجم مشكلتها الناشئة عن فشل الحكم وانكسار الحلم بتأسيس جغرافيا سياسية صغيرة لجماعة “الإخوان”.

على قدر ما في مناشدات الغزيين المضطرين للهجرة، من البراهين على حقيقة البؤس وعمق المحنة وسفالة المؤامرة، تتعزز وجاهة الظلم السياسي، على الجانب الآخر، لكي تبدو أية صفقة للحل الإسرائيلي، وكأنها سفينة إنقاذ للغرقى في بحر هائج!

العرب

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com