جدران بنغازي

جدران بنغازي

سمير عطا الله

وصلت بنغازي صيف 1967 فوجدت آثار الحريق في بعض المنازل الحجرية. سألنا ما الأمر؟ فقيل إنها منازل بعض اليهود التي أُحرقت بعد «حرب حزيران» احتجاجا على الهزيمة. كان لبنغازي آنذاك قضية واحدة، مثلها سائر المدن العربية. نكسة أم هزيمة، نكبة أم كارثة، والعنوان الوحيد هو فلسطين.

أتأمل جدران بنغازي المحترقة اليوم، وأتساءل، ما هو اسم القضية؟ مصراتة أم درنة أم الزنتان؟ الإخوان أم حفتر أم الجيش الليبي أم أنصار الشريعة أم الفلول (أي فلول). لا يمكن أن يخطر لك أن اسم فلسطين وارد بين أي أسماء مهما كثرت. صار اسم القضايا العربية الأنبار وسنجار، وكوباني والموصل، وعرسال وبريتال، والرقة وجوبر وسيناء. وكل اسم حريق وموت وتشرّد. وناس هاربة تحمل ديارها في لفة على رؤوسها. وجوعى. وحتى أشهر حصان في دنيا الخيول اليوم اسمه جوعان، خوف العين. والعرب تسمي «يموت» أملا بأن يعيش المولود الجديد، كأنما في الإمكان أن تغش القدر. وقد عاد «جوعان» على مالكه بمئات الملايين، بأي عملة من العملات الصعبة.

أتأمل في صور هذه القوافل السارحة في الصحارى والبراري وأتساءل، لماذا هم شعوب لا يريدها حكّامها؟ لماذا هم بلا هويات وبلا منازل وبلا مدارس وبلا مدافئ وبلا طعام، ومحرومون من كل شيء إلا الحزن والأوبئة؟ لماذا الخيار الوحيد أمام هؤلاء بين الموت والهرب، بين البيوت المحروقة والخيام الموحلة، بين الأوبئة والأمراض، بين ظلم الدولة وظلم المعارضة؟ لماذا لا شيء في الأفق سوى «داعش» أو ما قد يتفرع؟

ما هي قضية بنغازي اليوم؟ لقد أمضت أعواما تنام وتقوم وهي مختلفة حول قصيدة نزار قباني «دفاتر النكسة». وهكذا فعل سائر العرب. كعادتهم، حوّلوا الخلاف الوجودي إلى خلاف حول الوزن والتفعيلة وهل يحق لنزار أن ينتقد الهزيمة والمهزومين. وفي معمعة الخلاف واستلال الأقلام وجعجعة الحناجر أعلن صاحب «الكتاب الأخضر» نفسه «خليفة» يحرر الأمة من الهزيمة. بعد كل مأساة «خليفة» جديد وليذهب التواضع إلى الجحيم، هو والعمران والمدن والإنسان والأطفال والعجزة والمرضى والمُقعدون.

*الشرق الأوسط

ألا يشاهد هؤلاء «القادة» التلفزيون ويسمعون نواح النساء؟ أول خطوة حكيمة تُتَّخذ هي منع الشهود. منع الصحافيين والمصورين. العشرات قتلوا في سوريا. وأول ما فعله «داعش» هو قطع رؤوس الصحافيين الأجانب. رجاء، عدم الإزعاج.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة