قَدَر الجامعة المكتوب على الجبين

قَدَر الجامعة المكتوب على الجبين

سليمان جودة

لا أراهن على شيء في ملف وكالة الأونروا الملتهب حالياً، قدر رهاني على الجلسة الخاصة لوزراء الخارجية العرب، التي دعا الأردن إلى انعقادها على هامش اجتماع مجلس الجامعة العربية، صباح الثلاثاء المقبل… ففي هذا اليوم سيجتمع مجلس الجامعة في القاهرة، على مستواه الوزاري العادي، ليتداول في قضايا مختلفة كعادته، ولكن الدعوة الأردنية هي إلى اجتماع خاص يناقش قضية الأونروا… ولا يناقش غيرها!

والأونروا، لمن لا يعرف، هو اسم مختصر لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الذين بلغ عددهم خمسة ملايين لاجئ!.. ولأنهم لاجئون فقدوا بيوتهم، ولأنهم في انتظار أن يعودوا إليها، ولأنهم يحلمون بالعودة إلى وطنهم بالأساس، فالوكالة تتولى رعايتهم إلى حين العودة، وتحاول بإمكانات محدودة لديها، إبقاءهم عند الحد الأدنى من الحياة، خصوصاً على مستوى الخدمة العلاجية، ومستوى الخدمة التعليمية، وغيرهما من الخدمات العامة التي لا غنى للإنسان عنها كإنسان!

وقد أسفت للغاية عندما قرأت قبل أيام، في جريدتنا هذه، عن طفل فلسطيني اسمه هاني أبو حجير، رفضت مدرسة من المدارس التي تشرف عليها الوكالة في قطاع غزة، استقباله بين طلابها، فبقي الطالب في الشارع يبكي سوء حظه، وينعى الضمير الإنساني في العالم، وكان السبب أن البيانات المُدونة في أوراقه تقول إنه مواطن، لا لاجئ، رغم وجود اتفاق مُسبق بين وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وبين الأونروا، على قبول الطلاب غير اللاجئين، الذين لا مدارس في نطاقهم الجغرافي، أو الذين تبعد أقرب مدرسة لهم، كيلومترين عن مقر إقامتهم… رغم ذلك، فالطالب أبو حجير لم يجد له مقعداً في واحدة من مدارس الوكالة في القطاع!… ولا يمثل الطالب المسكين حالة فريدة، لأن له رفقاء يواجهون الموقف المحزن نفسه!

وأتصور أن رفض المدرسة التي قصدها، لم يكن لمجرد الرفض، ولكن لأن إمكاناتها محدودة، وهي محدودة لأن الوكالة التي ترعاها وترعى المدارس المماثلة، تعاني شُحاً في مساهمات دولية تأتيها وتعيش عليها… ومع ذلك… فالولايات المتحدة التي تقدم ثلث المساهمات، لم تجد حرجاً في التوقف عن دفع نصيبها، فأعلنت على لسان هيذر ناورت، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، قرار التوقف قبل نحو عشرة أيام، دون أن تنتبه إلى أن القرار يُفقدها صفة الوسيط النزيه في عملية السلام في المنطقة برمتها… وقد كان ترحيب الجانب الإسرائيلي بالقرار، دليل انحياز لا تُخطئه العين إلى طرف في الصراع دون طرف!
ومنذ جرى الإعلان عن القرار الأميركي، والدنيا مقلوبة، فالأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أعلن ثقته الكاملة بالوكالة، وأعلن دعمه لها، دون أن يكشف عما إذا كان هذا الدعم من جانبه، دعماً مادياً يعوض النقص الناتج عن الانسحاب الأميركي، أم إنه مجرد دعم معنوي سياسي؟!… لم يكشف السيد الأمين العام… ولكن هذا لا يقلل من أهمية ثقته ودعمه طبعاً، فهو يجلس على قمة المؤسسة الدولية الأم في العالم، ولا بد أن الدعم الممنوح من جانبها، على لسان أمينها العام، له قيمته قطعاً، حتى ولو بقي دعماً سياسياً خالصاً، لا يعالج بطبيعته مريضاً، ولا يوفر التعليم المطلوب لطالب من عينة هاني أبو حجير ورفاقه… فشيء في ظل سياسة دولية ترى الأمور في مواقع كثيرة بعين واحدة، خير من لا شيء!
وفي أوروبا كنا أمام رد فعل على مستوى الاتحاد الأوروبي، في مقره في بروكسل، ثم رد فعل آخر يتوازى معه على المستوى الألماني، أعلنه وزير الخارجية هايكو ماس… أما الأول فكان من خلال إعلان على لسان الاتحاد أنه يخطط لزيادة مساهماته في الأونروا… وأما الثاني فكان إعلاناً من جانب الوزير ماس، عن أن بلاده سوف ترفع من قيمة مساعداتها للوكالة!
والشكر بالتأكيد واجب لهما معاً… الاتحاد والألمان… ولكن الرهان مع التقدير الواجب لكل الأطراف، يجب أن يبقى على وزراء الخارجية العرب في جلستهم الخاصة المرتقبة… إن التقدير قائم لكل طرف دولي سارع إلى إبداء رغبته في المساعدة، والمساندة، والمشاطرة، في الوجع الفلسطيني، سواء كان هذا الطرف هو الأمم المتحدة في نيويورك، أو كان هو الاتحاد الأوروبي في العاصمة البلجيكية، أو كان هو حكومة المستشارة أنجيلا ميركل في العاصمة الألمانية… فعلينا أن ننتبه إلى أن كل طرف منها يسارع ليساعد، ويساند، ويشاطر، لا عن حرص على بذل عمل خيري، ولكن عن رغبة في احتواء تأثير القضية المُثارة على مصالحه في المنطقة وفي العالم… ولا لوم عليه في ذلك أبداً… فهذه هي مقتضيات السياسة التي تحكم عالمنا، وهذا هو ما يفرضه الواقع الذي نعيشه!
وإذا كان الرئيس الفلسطيني يريد الذهاب بالقضية غاضباً إلى الأمم المتحدة، ليعرضها على الجمعية العامة، أو على مجلس الأمن هناك، فليس أمامه سوى هذا الطريق، وليس أمامنا سوى أن ندعمه في ذهابه، ولكنه يعرف يقيناً مدى تأثير الإدارة الأميركية على المستويين، ويعرف أكثر أن حجب المساهمة الأميركية، نوع من العقاب للفلسطينيين على موقفهم الصلب مما قيل عنه إنه صفقة القرن، التي راحت واشنطن تُروج لها، طوال السنة الماضية، وكأنها تعني طرفين اثنين لا ثالث لهما؛ طرف أميركي وآخر إسرائيلي… ولا طرف فلسطيني بينهما في الموضوع!!
ولأن القضية فلسطينية، ولأن كل شأن فلسطيني هو عربي لحماً ودماً، فوزراء الخارجية الذين يلتقون في قاهرة المعز، خلال خمسة أيام، هُم المعنيون بالمسألة في المقام الأول، وهُم الذين يمكن أن يفكروا في حل عربي لقضية عربية، وهُم الذين يستطيعون التفكير في طريقة، يمكن بها عربياً تدبير قيمة المساهمة الأميركية المحجوبة، دون أن يكون في ذلك أي نوع من إعلان التحدي للإدارة الأميركية، ولا أي نوع من الرغبة في القطيعة معها!
كل ما في الأمر أننا نريد، كعرب، إيصال رسالة تقول، إن العرب قادرون على دعم الأونروا، بجهد خاص، وإن الملايين الخمسة الذين ترعاهم هُم شأن عربي، وإن الجامعة العربية باعتبارها بيت العرب، تريد على مستوى وزراء الخارجية أن تمارس مسؤوليتها إزاء كل لاجئ، وإن إدارة الرئيس ترمب إذا كانت قد حجبت مساهمتها عن الوكالة، فهذا حقها الذي لا نستطيع مناقشتها فيه، وإنْ كنا نأسف على ذلك طبعاً… غير أننا في المقابل نستطيع النهوض بمسؤولية عربية لا يجوز أن نتخلى عنها، ولا أن نتنكر لها، لأنها بمثابة القدر المكتوب على جبين الجامعة في مقرها العتيد، الذي ترفرف عليه الأعلام في ميدان التحرير، ثم على جبين الأمين العام، أحمد أبو الغيط، الذي يمارس مسؤوليته وسط أجواء مشحونة امتلأ بها الأفق المنظور، منذ بدء ما لا يزال يسمى بالربيع العربي، فهي أجواء عبأت مرمى البصر بغبار كثيف يحجب الرؤية، ويخلط الصور، ويُشوّه معالم الأشياء!
ولكن الرهان على وزراء الخارجية العرب يظل في مكانه، وفي اتجاهه، وفي محله، رغم كل شيء… فلا أمر آخر نراهن عليه!

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com