صحافة الكبار: البحر في كشتبان

صحافة الكبار: البحر في كشتبان
سمير عطا الله

من يتأثر أكثر بالآخر؟ الرئيس أم الكاتب؟ غالبا، طبعا، الصحافي. لكن كلمة والتر ليبمان في البيت الأبيض، أو بالأحرى مشورته، كانت أهم من كلمة المستشارين. ليبمان لم يكن فقط الكاتب المفكِّر الواسع الثقافة بل كان أيضا العقل والتعقّل. أي الذي يأخذ في الحسبان دائما اعتبار الخصم وحقوق العدو في حماية نفسه ومصالحه. قبل سنوات صدر كتاب بعنوان «القرن الأميركي» للمستر ليبمان. حاول أن تقرأ اليوم مقالا كتبه قبل 60 عاما. سوف تعرف لماذا كان أهم صحافي في تاريخ أميركا.

يوم السبت الماضي أعطت «التايمز» اللندنية بضعة أسطر للمستر توماس برادلي في قسم وفياتها الشهير. كان برادلي رئيس تحرير «واشنطن بوست»، الذي في عهده أسقطت الجريدة ريتشارد نيكسون. لماذا هذا القدر القليل من التقييم؟ لأن المستر برادلي كان شجاعا وإنما من دون قيم عالية، كما أنه لم يكن كاتبا على المستوى الوطني.

قامت في مصر وحدها علاقة بين الرئيس والصحافي، لسبب غاية في البساطة، هو أن الرؤساء الآخرين ألغوا الصحافة والصحافيين. وأقام عبد الناصر صداقة مع عدد من الصحافيين بادئ الأمر، لم يستبق منهم سوى هيكل. أحب السادات الصحافيين وكرههم. قرَّبهم وطحنهم. قدمهم وأرسلهم إلى السجون. أنيس منصور عرف كيف يبقى في قلب الدائرة.

كان محدثا ومؤنسا وصاحب جعبة لا تنضب. وكان السادات يحب أن يحكي ويحب أن يسمع. بل كان له أسلوب الحكواتي المحترف الذي يعرف كيف يحبس أنفاس سامعه وكيف يخطفها وكيف يرخيها. حتى خطبه كانت نوعا من الحكايات المثيرة.. و«حافرمهم»!

من يحب الأضواء يحتضن حاملها. السياسيون والفنانون قرّبوا الصحافيين إليهم. كل واحد كان له كاتبه. أو أكثر من كاتب. أم كلثوم كان لها مصطفى أمين، الذي عاد فتزوج من شادية. وكامل الشناوي كتب لنجاة الصغيرة «لا تكذبي، إني رأيتكما معا»، وكانت الأغنية عن حكايته معها. ومحمد التابعي عاش مع أسمهان أشهر قصة بين صحافي وفنانة.

ما يسمى «الوسط الفني» كان جزءا من «الوسط الصحافي» في ليالي القاهرة ونواديها. وكان أهل الصحافة وأهل السينما واحدا. ولا أقصد أهل الصحافة الفنية وحدها، بل أهل الصحافة السياسية والأدبية أيضا. وكان لأنيس منصور حظه من حكايات «الهوى والشباب والأمل المنشود» غير أنه فضل الستر إلاّ تلميحا. وقد عبر المحيطات لكي يلتقي مارلين مونرو، ساحرة تلك الحقبة وشقراء كل الحقبات، فلم يعط في الاستوديو سوى دقيقة واحدة معها، يلقي عليها التحية وترد هي عليه «هالو مستر منصور». لكنه عرف كيف يكتب عن تلك الجملة أعمدة كثيرة. كان يحول الكشتبان إلى بحر.

إلى اللقاء..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة