بناء العقول أولًا .. الحوار الجاد طريق لبناء مستقبل آمن في اليمن – إرم نيوز‬‎

بناء العقول أولًا .. الحوار الجاد طريق لبناء مستقبل آمن في اليمن

بناء العقول أولًا .. الحوار الجاد طريق لبناء مستقبل آمن في اليمن

قاسم عبدالرب العفيف

في اليمن كما في كثير من البلدان النامية الأخرى تفتقد إلى ثقافة الحوار البناء والجاد، واعتماده كوسيلة لحل المعضلات التي تواجه المجتمع في كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك .. فالحوار الجاد والبناء يمثل أسهل الطرق وأقلها كلفةً، واعتماده كثقافة في إدارة المجتمع يعني إيجاد حراك سياسي ومجتمعي يشترك فيه الجميع، وبذلك تتشكل بيئة صحية إيجابية للعيش المشترك لجميع فئات المجتمع.

في الواقع عاش المجتمع حالة من التخبط والجمود وعدم الاستقرار، ولم يستطع أن يحدد اتجاه سيره نحو مستقبل آمن، بل تعثر في إيجاد الحلول لقواعد العيش المشترك بين مختلف شرائح المجتمع، وسادت الحروب البينية والفتن، والتي عرقلت عجلة تطور المجتمع، وتسببت في تصدع بنيان الدولة الهشة، وتعاظم دور هياكل ما قبل الدولة منها القبلية والطائفية والسلالية.

وطوال ستة عقود من الزمن فشلت النخب السياسية من أحزاب، ومنظمات مجتمع مدني، وقوى أخرى في أداء دورها باستنهاض المجتمع والارتقاء به نحو مستقبل آمن وضامن وحامٍ للمواطنة وحق الإنسان في العيش بكرامة.

فالأحزاب القائمة تجدها انعكاسًا للواقع المرير المتخلف، بل إن بعضها أسهم في نشر التخلف والفساد، ومع ذلك تجد إعلامها يملأ الدنيا ضجيجًا ليل نهار، حول تمسكها بالديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر، وحقوق الإنسان وغير ذلك، وفي الواقع تمارس العكس، وكل تلك الشعارات تستخدم للاستهلاك الخارجي.

فالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني لم تجرِ حوارًا بناءً بين أعضائها أو في إطار المجتمع، بل لم تجرِ تحديثًا لبرامجها السياسية والتنموية، وأيضًا لم تجرِ تجديدًا لقياداتها التي عفا عليها الزمن، والمنغمسة في عالم الفساد والعقم السياسي، وكان كل هم قياداتها كيف تصل إلى السلطة، لتستحوذ على مقدرات الدولة من مناصب وثروات ونفوذ، أو في أقل تقدير كيف تتوصل إلى تفاهم مع الغير لتقاسم السلطة لكي تأخذ نصيبها.

وكل ذلك بهدف بقائها واستمراريتها في استخدام الوظيفة العامة للدولة كوسيلة لكسب الأعضاء والأنصار ولامتلاك النفوذ والسيطرة، وبهذا تضمن بقاءها في السلطة للاستئثار بالنفوذ والثروة والإثراء غير المشروع.

ما أحوجنا لتقييم الحوارات التي تمت في اليمن، وما آلت إليه من نتائج كارثية، أسبابها، وملابسات ما حدث من تحالفات تجمع القوى القبلية والطائفية والعسكرية، والتي تريد أن تحافظ على هيمنتها الأبدية للسلطة، وترفض النتائج التي تتمخض عن الحوارات، وتنقّض على الأطراف الأخرى باستخدام القوة المسلحة.

وكانت هناك تجربتان، الأولى في بداية تسعينيات القرن العشرين، نتج عنها وثيقة العهد والاتفاق، والثانية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين نتج عنها مخرجات الحوار ”موفمبيك“ في الأولى تحالف المؤتمر الشعبي العام وحزب الإصلاح الإسلامي ضد الحزب الاشتراكي، وكانت النتيجة أن شن هذا التحالف حربًا ضروسًا على الجنوب وتم إقصاؤه كشريك في الوحدة، وسيطر على الأرض وبسط نفوذ الجمهورية العربية اليمنية، وألغيت حاجة اسمها الوحدة بين الشمال والجنوب، وتحولت إلى احتلال عسكري لأرض الجنوب.

وفي الحالة الثانية انقض تحالف ”أنصار الله الحوثي“ مع رئيس الموتمر الشعبي العام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وكل مناصريه في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية على مخرجات الحوار الوطني، وتم تسيير الجيوش لإعادة احتلال الجنوب، وانتهت العملية بتدخل دول الخليج في ”عاصفة الحزم“ على ضوء طلب الرئيس الشرعي، ودارت ولاتزال المعارك الضارية بين قوات الشرعية المدعومة من التحالف العربي، والانقلابيين الحوثيين المدعومين من دولة إيران الإسلامية، ودخلت سنتها الرابعة دون وجود أمل في تحقيق الأمن والاستقرار.

اليمن يحتل موقعًا جغرافيًا مهمًا، وهو محل أطماع الدول الأجنبية، ولن يستقر الوضع فيه، إلا من خلال إجراء حوار واسع وبناءٍ بين كافة القوى السياسية والقبلية والمدنية ومن شرائح المجتمع كافة، يقتنع فيه الجميع بحقائق الجغرافيا والتاريخ للهويات المحلية، على أن يتم التوافق على أسس العيش المشترك بين كافة فئات المجتمع المدني اليمني، دون إقصاء أو تهميش لأحد، وهناك حقائق يفترض أن يضعها المتحاورون نصب أعينهم، وقبل بدء أي حوار عليهم الاعتراف بها وعدم القفز عليها وهي كالآتي :

أولًا، أن يبتعد المتحاورون عن الوهم بأن البعض يمتلك الحق الإلهي، أو الطائفي في الحكم، وأن الآخرين مجرد أتباع.

ثانيًا، على المتحاورين الاعتراف بحقائق الجغرافيا والتاريخ، والتعامل معها بواقعية وعدم القفز عليها من خلال تزييف التاريخ، أو أي ادعاءات فاضية المعنى والمحتوى كانت دينية أو قبلية.

ثالثًا، على المتحاورين الابتعاد عن استخدام القوة، أو التهديد بها لفرض واقع سياسي، وأن يكون معيار القوة هو الحق الذي يعبر عنه الشعب بوسيلة حضارية.

رابعًا، على المتحاورين الابتعاد عن استخدام قوة الغلبة الجهوية – القبلية للانقضاض على حق الآخرين؛ لأن ذلك يهدد السلم والأمن الاجتماعي للبلاد، وكانت النتائج كارثية كما أثبتتها وقائع التاريخ الحديث.

خامسًا، على المتحاورين الالتزام بمعايير وأسس الحوار، وأن يكون حوارًا شفافًا توافقيًا، وعدم استخدام قوة السلطة لتجيير نتائج الحوار لصالح فصيل دون آخر.

سادسًا، على المتحاورين احترام الرؤى المطروحة لكل فصيل، وألّا يصادر حقه، أو أن يتم تفريخ فصيل نيابة عنه في حالة قرر ذلك الفصيل الانسحاب.

سابعًا، على المتحاورين الاتفاق بألّا يسمح لأي طرف باستخدام علاقته بالخارج للتأثير على نتائج الحوارات، وأن تكون مخرجات الحوار نتيجة تفاهمات بين القوى المتحاورة، آخذين بعين الاعتبار المصالح الوطنية العليا للبلاد.

هذا وأفرزت الحرب واقعًا جديدًا، لا يستطيع أحد تجاوزه لا بالشعارات ولا بتزييف التاريخ، ولا بالقوة المسلحة، ولا حتى بالاستقواء بالخارج، ولا بالقرارات الدولية التي يمكن أن تفرض لصالح فريق دون آخر.

لذا لم يكن أمام اليمنيين إلا الدخول بحوار جاد على الأسس المذكورة أعلاه، وأي أسس يتم الاتفاق عليها، وقبل ذلك عليهم أن يعيدوا النظر بآلية التمثيل التي يفترض بل يجب أن تتعاطى مع الواقع الجديد، وبالأخير على الجميع الاقتناع بأن نتائج الحوارات لا يجب أن يكون هناك خاسر ومنتصر فيها، بل يجب أن ينتصر العقل أولًا، وأيضًا بالنظر إلى مستقبل العلاقة بين الأطراف المتحاروة التي يجب أن ترسو على أساس من العدل والأمن والاستقرار والتعاون المثمر بين الجميع لصالح تنمية الشعوب ورفاهيتها واستقرارها والمنطقة والعالم ككل.

ماذا يقول الواقع؟

هناك وحدة سياسية بين الجنوب والشمال قد فشلت، وحربان شنهما الشمال ضد الجنوب بغرض الاحتلال، وإدامة السيطرة على الجنوب.

هناك جنوب تحرر بسواعد أبنائه، وطبعًا بدعم دول التحالف وأسهم في تحرير الشمال.

هناك شمال لم يتحرر ويرواح مكانه، وقوى شمالية مشتتة في مواجهة الانقلابيين، ولا يوجد أفق للحل.

هناك انقلابيون سطوا على السلطة الشرعية خلافًا للإجماع الوطني، ولم يستطيعوا أن يظهروا قدرتهم على الاستمرار إلا بالقوة المسلحة ضد إرادة شعب، كما أنهم ينفذون أجندات خارجية.

هناك شرعية تعيش حالة شلل تام بسبب الفساد، وسيطرة أحد الأحزاب على قرارها وتصدع خطها السياسي، وأصبحت غير متوازنة في أدائها، واقصاء بقية القوى السياسية الأخرى، وتحاول إعادة إنتاج نظام صنعاء السابق في كل ممارساتها مما قادها للفشل الذريع في كافة المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية مما أعاق حسم المعركة.

هناك مجلس انتقالي تشكل بإرادة شعبية جنوبية، ولكن تنقصه الآلية التي بواسطتها جمع كل أطياف الجنوب حوله، ليكتمل التعبير عن الإجماع الشعبي، ويفتقد إلى خريطة طريق شاملة لتنفيذ هدف إنشائه.

هناك أحزاب سياسية وجدت نفسها تسير على هامش الأحداث لا تملك روح المبادرة والموقف وتتقاذفها الأحداث دون رؤية سياسية واضحة، وأنصارها يعيشون في الهامش السياسي، وتحتاج إلى تجديد خطابها وبرنامجها السياسي، وإلى تجديد قياداتها العقيمة والتي عفا عليها الزمن.

هناك كتل اجتماعية لا تشارك ولا تبدي موقفًا تجاه ما يحدث، وكأن الأمر لا يعنيها، بل يتطلب الأمر تواجدها وتفاعلها؛ لكي تسهم بما عندها من رؤى سياسية وحلول حول الوضع المعاش.

وهناك شعب يعاني الأمرين من جرّاء الحرب والأزمة التي عصفت به ووضعته في حالة شتات وجوع وفقر.

الخلاصة

سيخطئ الإقليم والعالم إذا اعتمد في التسوية الحالية على طرفي النزاع: القوات الشرعية والحوثيين، وترك بقية المكونات الأخرى في الشمال والجنوب دون مشاركة، فذلك كمن يحقن المريض مسكنات أول ما ينتهي المفعول سيعود الألم من جديد، ولب المشكلة يكمن في إنتاج حلول غير واقعية لمشكلات واقعية.

حاولت النخب السياسية في العام 90 القفز عليها نحو المجهول، وأنتجت وحدة سياسية هجينة غير قابلة للحياة؛ لأن عناصر تفجيرها كانت كامنة في أحشائها، ولم تستطع الصمود وتكرار ذلك من خلال إنتاج دويلات وكانتونات مبعثرة على شكل أقاليم ستكون عبثًا في التاريخ والحغرافيا.

لهذا ومن أجل اختصار الوقت وتقليل الخسائر فالحل يتطلب إشراك مكونات المجتمع اليمني شماله وجنوبه كله، بمراجعة وإخضاع جاد لكل الطروحات والأهداف السياسية التي كانت سببًا في كل المعاناة من خلال إجراء حوار داخلي فيما بينهم …..بعدها يتم الخروج برؤية على ضوء ما آلت إليه الأوضاع في اليمن من فشل في الوحدة السياسية، وفي الأخير يحضٓر كل فريق خلاصة المناقشات لشكل الدولة في الشمال والجنوب، وكذا العلاقة بين الجنوب والشمال ….وبعدها يتم عقد مؤتمر وطني عام بين ممثلي الجنوب والشمال تحت إشراف إقليمي ودولي ضامن لما يتفق عليه للخروج من المأزق الراهن، يخدم استقرار المنطقة والعالم على أن يتم ذلك في فترة زمنية محددة، وهنا يمكن تشكيل حكومة تصريف أعمال مناصفة بين الشمال والجنوب لضمان سير العملية بسلاسة وبشكل آمن.

قد يعتقد البعض أن هذه الأفكار غير قابلة للتطبيق، لكن عند تحكيم العقل والمنطق وقراءة صحيحة للتاريخ والجغرافيا، وإفساح المجال للعقول النظيفة للعمل، لن يكون هناك حل غير هذا تجنبًا للخسائر الباهضة في الأرواح والممتلكات، وأيضًا تجنبًا لضياع الوقت، وحرصًا على مصالح شعب الجنوب والشمال، لكن لن يتم ذلك إلا بدعم التحالف والأمم المتحدة.

سفير سابق

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com