إضاءات عربية حول التظاهرات العراقية

إضاءات عربية حول التظاهرات العراقية

عبدالله ناصر العتيبي

يتساءل مواطن عراقي في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي: كيف تشتعل التظاهرات في الجنوب والوسط ونحن لم ننته بعد من فرز الأصوات في الانتخابات الأخيرة؟ لماذا لم ينتظر المتظاهرون تشكيل الحكومة الجديدة؟ أين ذهب إيمانهم بالتغيير الذي يتلو في العادة أية عملية انتخابية؟ هل فقدنا نحن العراقيين الثقة بالتيارات والتحالفات والائتلافات المسيطرة على المشهد السياسي حالياً؟

خرج المتظاهرون في البدء إلى الشارع للتعبير عن رفضهم واقعهم الاقتصادي المتردي واحتجاجاً على «الإهمال الحكومي لحاجات المواطن» في بلد يُعد من أغنى بلدان العالم، ثم تحولت التظاهرات بمرور الأيام إلى حالة احتجاج مبطن على «المصنع السياسي» في البلاد، الذي لم يستطع طوال 15 عاماً أن ينتج طبقة سياسية جديدة قادرة على رسم طريق واضح ومتفق عليه لمستقبل البلاد! ثم انتهت كما هي عادة هذا النوع من الاحتجاجات إلى جولات مفاوضات واجتماعات ما بين الحكومة وشخصيات ركبت التظاهرات في بدايتها، واختطفتها في منتصفها، لتمثلها في المرحلة الأخيرة كأنها هي المتحدث الوحيد باسمها.

من الواضح أن المتظاهرين لم يكونوا جزءاً من العملية الانتخابية الأخيرة التي تقول بعض المصادر أن المشاركة فيها لم تتجاوز30 في المئة من مجموع من يحق لهم الانتخاب! ومن الواضح أكثر، أن المجاميع المحتجة في الشوارع والساحات تمارس في الوقت الحالي ومن خلال شعاراتها ومطالبه،ا كفراً بالعملية الديموقراطية العراقية برمتها! ومن الواضح أكثر وأكثر، أن الشخصيات التي ركبت التظاهرات وطوعتها لحسابها ستصبح في المستقبل المنظور جزءاً من العملية السياسية المتعثرة. ستنضم إلى المشهد ولن تلغيه. وستساهم في زيادة وزن الطبقة السياسية غير المنتجة، وسيعود المحتجون البسطاء إلى بيوتهم بانتظار موجة احتجاج جديدة يسلمونها طواعية إلى رموز معارضة جديدة كتعبير عن اليأس واللاجدوى… وهكذا.

ككاتب عربي يرصد الأوضاع من خارج الدائرة، تحمل هذه التظاهرات بالنسبة إلي عدداً من الإضاءات يمكن اختصارها في ما سيلي من هذه المقالة.

أولاً: قد تبدأ التظاهرات بالفعل نتيجة لمطالب اقتصادية وخدمية فقط. قد تندفع الجماهير الى الشارع تحت ضغط الحاجة، وقد تخلق قناة صوتية كبيرة تجمع بها أصوات المحتجين المختلفة لتنتج صوتاً واحداً ذا طبيعة واحدة. قد تكون التظاهرات في مرحلتها البكر قائمة على مفهوم «عندما تنتهي معاناتي، أعود إلى بيتي»، لكن من المؤكد أنها لا تنتقل إلى تظاهرات ذات طبيعة سياسية إلا عندما يتدخل أحدهم ليجعلها كذلك. فمن يا ترى هذا «الأحدهم» الذي قد تكون له مصلحة في تهييج الشارع للضغط على الحكومة الحالية؟ هل يمكن أن يكون لنوري المالكي دور في ما يجري؟ هل يمارس الرجل الذي لم يحقق نتيجة جيدة في الانتخابات الأخيرة ضغطاً شعبياً من خلال التظاهرات على حكومة العبادي ليتسنى له صنع «تحالفات برلمانية» تمكّنه من العودة مجدداً إلى رئاسة مجلس الوزراء؟ الرجل المتواري منذ فترة خلف منصبه الشكلي لن يستفيد من إشعال التظاهرات والاضطرابات في المناطق السنية، لأن «المكون الشيعي» الذي ينتمي إليه العبادي سيتحول إلى مصد طائفي تنكسر عليه كل الضغوط التي يمكن أن تسببها هذه الاضطرابات. الأمر كذلك لن يتغير كثيراً في ما لو كانت التظاهرات والاحتجاجات في كردستان، فالتهوين و»عدم المبالاة» العربية تجاه كل ما هو كردي، والتوجس المقابل الكردي تجاه كل ما هو عربي، سيخدم بلا شك حكومة عربية في وجه تحول كردستاني. إذاً، لا سبيل سوى إشعال الأزمة في قلب البيت الشيعي كي لا يكون هناك طرف آخر يستطيع أن يصنع استقطاباً غير مرغوب فيه!

هل يمكن أن تكون للمرجع الديني علي السيستاني يد في تحريك الجماهير الغاضبة؟ هل أوغلت حكومة العبادي كثيراً في علمانيتها، الأمر الذي جعل السيستاني ودائرته المحيطة به من رجال الدين يظنون أنهم سينتقلون قريباً إلى الأرشيف العراقي؟ ما تفعله الجماهير اليوم في الجنوب والوسط العراقي قد يكون مساومة دينية على صفيح شعبي لإرجاع الحكومة إلى لهجتها الدينية المتطرفة كما كانت الحال في حكومة نوري المالكي. وعندما تعود اللهجة الدينية المتطرفة إلى الحكومة كما نعرف، فإنها تتحول إلى ناطق غير رسمي باسم السيد المرجع، ويصبح بذلك السيد المرجع في شكل رسمي رئيس الرئيس!

ثانياً: على رغم أن حكومة الرئيس حيدر العبادي دستورياً هي في واقع الحال حكومة تسيير أعمال بصلاحيات محدودة جداً بسبب انتهاء ولاية البرلمان منذ أسابيع، إلا أن الرجل القوي يتصرف كأنه رئيس وزراء قد انتخب للتو! يمارس العبادي صلاحياته كرئيس وزراء بلا حدود وبحزمة ثقة غير منقوصة، في الوقت الذي يمضي بعض وقته كمسيّر لأعمال كتلته الانتخابية «النصر»! يمارس أداءً مزدوجاً ببراعة كبيرة في مشهد سياسي هش قل مثيله في دول العالم. العبادي القوي بلا برلمان يدير العراق من خلال مجلس وزراء خاضع له. وفي المقابل نجد رجلاً آخر في بيروت لم يستطع حتى الآن أن يعقد جلسة مجلس وزراء واحدة في حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها على رغم تشكيل برلمان جديد منذ أسابيع!

ثالثاً: منذ 15 عاماً والعراقيون غير قادرين على التحرك للأمام. منذ 15 عاماً والسياسيون في بغداد متفرغون لمعاركهم الصغيرة في ما بينهم! لماذا؟ لأن المعارضة العلمانية والدينية لصدام حسين كانت وجهه الآخر. الزمن الطويل للمعارضة خارج الحكم جعلها نسخة مشوهة من النظام الحاكم، وبالتالي سقطت في 2003 وحتى اليوم في أول اختبار حقيقي لها في الحكم، أخذت من صدام حسين وجهه المشوه، وفشلت في أن تأخذ منه قدرته على التكيف مع الحكم بسبب نفيها لعقود خارج السلطة.

رابعاً: قد يحتاج العراق الى سنوات طويلة للخروج من أزمته الاقتصادية، فالبنية التحتية اللازمة لتصدير كميات كبيرة من البترول لا يمكن صناعتها بين يوم وليلة. الشعب قد لا يعرف ذلك، ويظن أن الاقتصاد يجب أن يتحسن اليوم قبل غداً. الشعب قد لا يعرف مثل هذه التفاصيل، لكن من المؤكد أنه يعرف من السياسي الصادق الذي يعمل من أجله والسياسي المخادع الذي يعالجه بالمسكنات والمهدئات فقط.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com