المصالحة الإثيوبية الإريترية ودور الإمارات – إرم نيوز‬‎

المصالحة الإثيوبية الإريترية ودور الإمارات

المصالحة الإثيوبية الإريترية ودور الإمارات

عدلي صادق

كان اتفاق الجزائر، الذي أبرم بين إثيوبيا وإريتريا في ديسمبر عام 2000 لإنهاء النزاع الدامي المسلح بين البلدين الجارين إثيوبيا وإريتريا؛ في حاجة إلى المتابعة والمحفزات التنموية التي تشجع الطرفين على التنفيذ. فقد ظل اتفاق السلام معلقاً لثمانية عشر عاما، تأثر خلالها سلباً، اثنان من أفقر بلدان العالم، وظلا يحملان عبء مئات ملايين الدولارات التي خسراها في الحرب التي اندلعت على خلفيات معظمها عاطفية حيال بلدة “بادمي” الإريترية الحدودية، التي ينحدر منها عدد من رموز الدولة في إثيوبيا.

فقد أدت السياسات التي اعتمدها ميليس زيناوي، رئيس الوزراء الإثيوبي في ذلك الوقت، والرئيس أسياس أفورقي إلى تدمير اقتصاد البلدين، بخلاف التسبب في سقوط مئات الألوف من الضحايا من الجانبين اللذين كانا بالأمس القريب يشكلان شعباً لدولة واحدة. وحُرمت إثيوبيا وإريتريا بعد الحرب، من فوائد السلام والتعاون، وتأثرت مناخات القرن الإفريقي كله بشكل فادح، إذ وجدت المجموعات الإرهابية هوامش للحركة والتوطن، في منطقة رخوة، تفاقمت فيها النزاعات المحلية.

وفي السياق، أدت وضعية العداء، خلال سنوات امتناع الطرفين الإثيوبي والإريتري عن تنفيذ اتفاق السلام، إلى المزيد من التعارضات بين أديس أبابا وأسمرة، فتبنت كل منهما مواقف مناقضة لمواقف الأخرى من نزاعات الجوار. بل إن الدولة القديمة، إثيوبيا، والدولة الإريترية الناشئة، خاضتا حرباً بالوكالة في الصومال، وذلك كله فضلاً عن خسارة الطرفين، لجميع الروابط التي ظلت قائمة بين إثيوبيا وإريتريا بعد استقلال الأخيرة عن الأولى في العام 1993، كاستخدام إريتريا للعملة الإثيوبية واستخدام إثيوبيا لميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر، وغير ذلك من الروابط التي ظلت قائمة. وفي الحقيقة لم يكن استخدام القوة العسكرية بدل الحوار، هو الخيار الصحيح وخاصة من جانب إثيوبيا ابتداء، التي فتحت الثغرات للعمل العنفي مستندة إلى عدم ترسيم الحدود، وأظهرت رغبتها في الهيمنة على الدولة الناشئة، من خلال طلب مساءلتها حول سياساتها المالية والاجتماعية والدولية.

كانت الأزمة الإنسانية تتفاقم في البلدين، كما في القرن الأفريقي برمته، وتعقدت سبل إحلال السلام وخلق المناخات الجاذبة للاستثمارات في قطاعات التنمية، وظلت الأمور تراوح مكانها فلا تقترب أديس أبابا وأسمرة من لحظة الوقوف أمام الحقيقة. وعندما حل في السلطة، في إثيوبيا، في العام 2012 رئيس الوزراء السابق هيلا ماريام ديسالجن، الذي أظهر ميلاً للعودة إلى اتفاق الجزائر، تعرض الرجل لضغوط الحرس الإثيوبي القديم من النخبة السياسية، المتمسك بمنهجية النزاع، وقد ساعد على فشله التشدد الإريتري، وسادت أجواء اللاسلم واللاحرب.

في هذا السياق، لا يصح القول إن المصاعب التي واجهتها كلٌ من أديس أبابا وأسمرة، كانت هي وحدها التي أقنعت الحكومتين الإثيوبية والإريترية بأخذ جادة الصواب والتوافق على تنفيذ اتفاق الجزائر. فلا المصاعب ولا الاتفاقات على الورق، تكفي لإقناع طرفين بالذهاب إلى فض النزاع وتكريس التعاون.

فمن جهة إثيوبيا، التي استهلت عملية طموحة للتنمية الشاملة، كانت في انتظار من يساعدونها على فتح آفاق واعدة، لا سيما وقد باتت رائدة الصناعات الخفيفة للسوق الأفريقية، وأصبح الانفتاح رهن تنقية المناخ السياسي والخروج من دائرة النزاع، وهي في حاجة إلى المردود الاقتصادي والتنموي من مد الجسور مع جوارها. فعلى هذا الصعيد ظلت تنتظر مبادرات دبلوماسية ذات حيثيات واعدة بالمساعدة على التنمية، لكي تعزز هذا المنحى الذي من شأنه إضعاف منطق الحرس القديم والنخب المتشددة. كذلك إريتريا التي حاول رئيسها أسياس أفورقي، في بداية نشوء الدولة، التقرب من إسرائيل ومجاراة السياسة الأميركية، على ما يتطلبه ذلك من غلاظة في الداخل، لكي يؤسس لاقتصاد وطني أفضل، متأثراً بدعايات إسرائيل عن أيادٍ بيضاء تمدها لأفريقيا. ولعل الرجل اقتنع بعدئذٍ، أن لعبة إسرائيل، تختص بالضباط العسكريين وتهدف إلى تغيير أنظمة الحكم لصالحها، دون أن تساعد بالمعيار التنموي على التطور الاقتصادي لفائدة الشعوب. وكان لتجربة دولة جنوب السودان المنفصلة عن السودان، خير دليل، إذ حلّ الاحتراب والبؤس وتفاقم الفقر دون أن يغيثها الإسرائيليون والأميركيون، إذ بعد أن خرجت من فضائها الأول، أصبحت قفزتها في الهواء، وتبخرت وعود عشرات السنين، للجنوبيين في السودان، بالرفاهية في حال الانفصال.

وكانت الإمارات والسعودية، قد ركزتا على القرن الأفريقي لأهميته الإستراتيجية. واعتمدت أبوظبي دبلوماسية مثابرة بهدوء في المنطقة، رعاها شخصياً الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي. فعلى جغرافية منطقة هذا النشاط الدبلوماسي الذي اكتسب صفته العملية من خلال وضع ميناء عصب الإريتري في موضع الأهمية، بحكم مقابلته لباب المندب، مع الاستفادة من عنصر أهميته بالنسبة للإثيوبيين، بدأ الحديث عن خطة تعاون بمفردات واعدة بالرخاء بدل البؤس، ما جعل رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد، أبي أحمد والرئيس الإريتري أفورقي يقتربان من القناعة بالشروع في عملية التسوية وفتح آفاق التعاون في ظل الوفاق، وتنفيذ اتفاق الجزائر الذي ظل طيلة 18 سنة صيغة على الورق تنتظر محفزات تنفيذها.

ومن خلال دبلوماسية هادئة وبغير ضجيج، لاح الضوء في نهاية النفق. فأشهر رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد أبي أحمد غصن الزيتون، ووعد بتمهيد الطريق أمام السلام، وقبول نتائج قرار لجنة الحدود لعام 2002، الذي منح الأراضي المتنازع عليها لإريتريا، بما في ذلك بلدة بادمي. ومن جانب الإريتري، أعلن الرئيس أفورقي استعداده لإجراء محادثات سلام مع إثيوبيا. بعدئذٍ وصل وفد إريتري إلى إثيوبيا لإجراء محادثات، فلقي حفاوة بالغة في أديس أبابا، ولاحت تباشير حلّ واحد من أفدح النزاعات في العالم تأثيرا على طرفيها، وامتثل لهذا التوجه، المتشددون في البلدين.

إن السلام الدائم بين إثيوبيا وإريتريا، الذي سعت الإمارات إلى التوصل إلى اتفاق على الشروع فيه، سيوفر الاستقرار الذي تشتد الحاجة إليه في القرن الأفريقي وتستفيد منه أيضا، دائرة أوسع في غربي آسيا وشرقي أفريقيا ووسطها بما فيها من الدول والشعوب على ضفتي البحر الأحمر، وخطوط المواصلات في المحيط الهندي.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com