أفندم.. «عاوزين وزير»؟

أفندم.. «عاوزين وزير»؟
خالد القشطيني

من مظاهر الفساد المستفحل في بعض بلدان العالم العربي في هذه الأيام تفاقم شهادات الزور؛ بكالوريوهات وليسانسيهات ودكتوراهات كلها زيف بزيف. نسمع عن زيفها وتزويرها فيما بعد عندما ينفضح أمرها ولكن بعد أن يكون السيف قد سبق العذل وشغل أصحابها مناصب رفيعة. يصعب بعدئذ التخلص منهم إثر ارتباط اسمهم وتوقيعهم بشتى القرارات والاتفاقات والعقود. قد يكون رئيسهم هو أيضا يحمل شهادة مزورة. قد يكونون قد أصدروا حكما على من قاموا لهم بتزوير شهاداتهم. ونفذ الحكم فيهم بصورة غير مزورة. تفاقمت المشكلة بسبب أن معظم من يحملون شهادات صحيحة غير مزورة وجديرة بالاحترام أخذوا يهجرون بلادنا العربية للعيش في الخارج. كيف يمكن إذن تفادي هذه المشكلة؟

ذكرني هذا الأمر بما كان يجري في أوائل تأسيس المملكة العراقية في العشرينات. لم يكن هناك غير عدد قليل جدا يحملون أي شهادة. وكانت الدولة الفتية تحتاج إلى موظفين. فمن دون علم ودون موظفين، الدولة ليست بدولة. راحوا يوظفون أي شخص يحسن القراءة والكتابة. أخذ المواطن العاطل يلبس سترة وبنطلونا ويطرق أبواب الوزارات، «تحتاجون كاتبا؟»، نعم تفضل اجلس. يجلسونه أمام طاولة ويعطونه ورقة وقلما ودواة. ويملون عليه شيئا، أي شيء يخطر في بالهم، مثلا:

أنا بن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني

فإن أجاد كتابة البيت ولم يخطئ فيه كثيرا، يعينونه «كاتب صادرة وواردة» مثلا، أو «مأمور نفوس». هكذا دأبوا على اختيار الموظفين الذين ابتلينا بجهلهم فيما بعد. ولكن على الأقل، كانوا أناسا صادقين ولم يملأوا الدولة بشهادات مزورة ولا أساءوا لسمعة الجامعة المذكورة فيها.

أعتقد أن هذا هو ما ينبغي أن تتبعه هذه الأنظمة «الديمقراطية» التي اختارها المواطنون الأميون بحرية صادقت عليها الأمم المتحدة. عليها أن تختار وزراءها وسفراءها بهذا الأسلوب لتفادي تعيين أصحاب الشهادات المزورة. يأتي الراغبون ويطرقون باب سراي الحكومة، «تحتاجون وزيرا؟» نعم تفضل. يجلسونه أمام طاولة ويعطونه ورقة وقلما ومحبرة ويملون عليه شيئا من الشعر العربي البليغ؛ مثلا:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

ينظرون ويتأكدون أن هذا الشخص يعرف كيف يمسك القلم بيده ويكتب ما يملى عليه ولا يناقش ثم يعينونه وزيرا، مثلا وزيرا لوزارة الصناعة والتجارة، أو وزارة التعليم العالي. وهنا قد يخطر للقارئ الكريم أن يسأل وبحق، لماذا يا ترى يختارون دائما قطعا من الشعر العربي لاختبار الشخص المطلوب؟ هذا يا سيدي لأننا نعتبر من يقرض الشعر يستطيع أن يقرض أي شيء، صناعة، تجارة، تكنولوجيا وكل ما تتطلبه الدولة في عالمنا العربي.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com