مآلات الرعونة والحرق في سوريا

مآلات الرعونة والحرق في سوريا

عدلي صادق

يُلح علينا التقديم لهذه السطور، بعبارة تبدأ بحرف الامتناع “لو”. فلو كان الرئيس السوري بشار الأسد قد أعطى إشارة تأس على ما حدث في درعا في مارس 2011 وأنصف الخمسة عشر طفلا الذين اعتقلهم ابن خالته عاطف نجيب، مسؤول الأمن في المحافظة، وعذّبهم بالنار واقتلع أطراف أصابعهم، لمجرد أنهم تأثروا بالأحداث في تونس وليبيا ومصر، فكتبوا عبارة على جدار مدرستهم؛ لما كان حال بشار الأسد اليوم يستحق رثاء وتأسيا عليه، فيما يرسم الروس والإسرائيليون والأميركيون مصير بلاده، بينما هو يحاكي قهقهات المنتصرين، في موجة هستيريا مثيرة للشجن، ستتبعها استفاقة على واقع سوريا الجديد!

ويصح أن يقال في التقديم أيضا، إن العسكر السوري الذي اشترط على الشعب السوري بعبارة مختصرة كتبت على الجدران بصيغة البديع اللغوي: “الأسد أو نحرق البلد” كان حالما، رغم كونه قادرا على البدء بالحريق ثم طلب مساعدة من يسانده إن عزت النيران ووسائل قذفها. لم يحسب حسبة ما بعد الحرق، وما إذا كان سيظل هناك أسد، أو موقع له، وسط الركام، وما إذا كان سيستطيع هذا الذي سيبقى، تلزيم حتى شركة محلية بإعادة بناء حارة أو منزل، إذ سيتولى التلزيم، الروس والإيرانيون، وفق لعبة شطرنج متفق على نقلاتها. أما لغة الممانعة ومحور المقاومة والتصدي للعدو، فلن تبقى صالحة للتداول، بعد أن تُفرض التسوية التي تقوم على ضمان أمن إسرائيل، وهي تسوية سوف تتكشف أسرار مفاوضاتها التي لا تزال جارية.

لم يفكر بالأجوبة عن أسئلة ما بعد الحرق، أي تلك التي تجيب عنها، اليوم، تسريبات وقائع السياسة التي يرسمها الثلاثي الروسي والأميركي والإسرائيلي. فلا كرامة عند هذا الثلاثي، للبلاد المحروقة، بثقافتها وإرثها الحضاري وشعبها، ولا كرامة بالطبع للحارق المحلي. فها هم يرسمون السيناريو، وإسرائيل تطرح شروطها وتأنس في نفسها الأحقية والجدارة في تحديد من يرابط على أرض سوريا ومن يخرج منها إلى غير رجعة!

ألم يكن الأوفر والأصوب، بالنسبة للحاكم الطامح إلى الأبدية في الحكم كابرا عن كابر، أن يسترضي أسر الأطفال في مارس 2011 فيصبح رمزا للتسامح والعدالة دون أن يكون له من هاتين الصفتين نصيب، وأن يتزَيّد في مقاربة الخداع، تزيّدا موفقا، بإدعاء أنه زج بعاطف نجيب في السجن، ولو لأسبوع واحد، وتنتهي القصة؟

أما الإيرانيون الذين استأنس بهم الأسد لكي يحرق البلد، فقد تلقوا منذ الآن، البطاقة الصفرء، وعند أي مخالفة ستُشهر في وجوههم البطاقة الحمراء. فلا تزال المفاوضات تجري بين طاقم حكام اللعبة، وفي سياقها لم يحسب المتفاوضون المساحة التي وافق الروس على إخلاء الإيرانيين منها، وإن كانوا حددوا عمقها بمئة كيلو متر عن الجولان. وحكومة نتنياهو تطالب بالإخلاء من مساحة سوريا كلها أي الـمئة وخمسة وثمانين ألفا ونحو مئتي كيلومتر. والإيرانيون الوافدون من نقاط بعيدة عن منظومتهم العسكرية، لا يملكون ترف العناد، ولن يقبضوا ثمن الحرق، لا حقول غاز في باطن الأرض، ولا خط إلى المتوسط فوق الأرض، وسيفوزون من الغنيمة بالإياب.

أما تركيا الأردوغانية، التي توغلت في أراضي سوريا، فطامحة إلى الاستحواذ على أرض مع ناسها، لكي تمتلك قوة بشرية في مواجهة الكرد، أو لعلها تريد الظفر بشيء من الثروة الموعودة؛ فإن مسألة التفرغ لها، مسألة وقت، لمحاسبتها على ضخ الظلاميين الإرهابيين، الذين شوهوا انتفاضة الشعب السوري وأهدوا النظام وحلفاءه دمارا لبُنية الحراك الشعبي الشامل، ويمكن أن يُسجل لصالح أردوغان والحكم عليه مع وقف التنفيذ، لدى الثلاثي الذي يرسم السيناريو على قاعدة ضمان أمن إسرائيل، أنه تعمد منع المعارضة العلمانية المسلحة، وقوامها منشقون عن الجيش، من تحقيق الانتصار، يوم أن كان الأسد على حافة السقوط!

ومن نافل القول إن قطر، شريكة الضخ الإسلاموي الإرهابي إلى سوريا وعرابة التصالح الميداني بين “النصرة” الإسلاموية وإسرائيل الصهيونية؛ ليست لها حسبة في الموازين الاستراتيجية، ولن يسألها أي طرف، لأن الممسكين ببوصلة السياستين الأميركية والروسية، كانوا يعلمون أن كل غيمة قطرية عابرة، في سماء سوريا أوغيرها، سيعود خراجها لهم!

أغلب الظن أن بلورة الاتفاق بين الثلاثي المرح على مصير سوريا، سيكون في مكان محايد، لا أستانة في كازخستان ولا سوتشي في روسيا، وإنما هو المكان نفسه الذي التقى فيه الأسد الأب قبل وفاته، الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وكانت لديه القدرة، آنذاك، على أن يشترط، إذ قال لكلينتون أريد أن أجلس على الضفة الشرقية من بحيرة طبريا وألمس ماءها بيدي وقدمي. لكن المسألة اختلفت اليوم، بجريرة كل الدعايات الناجمة عن الرعونة والحرق!

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com