بحثاً عن «إيديولوجيا سياسية» تسد ذلك الخواء

بحثاً عن «إيديولوجيا سياسية» تسد ذلك الخواء

المصدر: بيسان الشيخ

عندما استولى تنظيم «داعش» على مناطق ومساحات شاسعة من سورية وقبلها العراق، وبسط سلطته على الاهالي، فارضاً ما يتوافق وفكره من قوانين وشروط حياة، واستقطب المقاتلين بالمال والسلاح، قلنا، كما قال كثيرون، إن المجتمع السوري عموماً غير متشبع بالفكر المتطرف وأن تديّنه اجتماعي أكثر منه سياسياً – نضالياً.

وكان مما يستعان به من حجج لدعم هذه الفكرة، أنه لو كانت الكتائب المقاتلة التي أحرزت نتائج ملموسة على أرض المعركة ضد نظام الأسد أقل تديناً، أو قل حتى علمانية، لما تردد الأهالي (أو الرأي العام المحلي في هذه الحالة) بدعمها والتماثل معها.

ومن الأمثلة البسيطة التي تستعاد اليوم على سبيل تأكيد تلك الفرضية، موجة إطلاق اللحى بين الشباب، لا سيما المقاتلين، وتعلم فروض الصلاة وأدائها جماعات أو فراداً، ببعض الالتباس أو الخفة أحياناً ومن باب «الموضة» الظرفية، مقابل استعداد هؤلاء أنفسهم لحلاقتها والتخلي عن مكملاتها السلوكية واللفظية لحظة يأتي الدعم والإنجاز من جهة تشترط ذلك. وهنا ارتفعت حدة اللوم على الغرب بصفته قد تخاذل في مؤازرة المكون العسكري المعتدل للثورة السورية والحديث النشأة آنذاك، أي الجيش الحر، ما سمح بظهور مكونات أخرى متطرفة ومتشددة على ما جرى تدريجاً، الى أن بلغنا اليوم ذروة غير مسبوقة مع حكم خلافة «باق ويتمدد» على ما يطمح ويزعم.

وخلال حكم «داعش» الذي تجاوز العام تقريباً، وقبله حكم «النصرة» التي عبّدت له الطريق، اطمأن كثيرون إلى فرضية أن ما يأتي بالمال (المتطرف) يذهب بالمال (الليبرالي)، لأن المجتمع، مرة أخرى، غير متطرف ولن يلبث أن يلفظ تلك الظواهر «الشاذة والغريبة عنه».

وغاص النقاش في التبرير او التنديد بظهور التنظيمات الارهابية واستفاض في شرح اسبابها ودوافعها، وهو كله ضروري ومطلوب، لكنه عزز أيضاً تلك الطمأنينة والاستكانة لـ «الاعتدال الفطري» للمجتمع، مغلقاً الباب امام بحث جدي في جذور تلك القدرة الهائلة على التكيف مع السلطة الجديدة أياً كانت والتماهي معها.

فإذا أخذنا «السلوك الظرفي» أو موضة التدين الحالية مثالاً، لا يسعنا إلا التذكير بأن تلك البيئات نفسها اعتمدت حتى أمس قريب «لوك» باسل الاسد بالشعر المثبت الى خلف ونظارات «رايبن» موضة صاعدة لشبانها، من دون ان يعني ذلك أنهم بعثيون في الجوهر… على ما قيل أيضاً.

وإذ يبدو أن الجوهر متحول وعصي عن التعريف، من اللافت لا بل المذهل، أن تكون تلك الطمأنينة ثابتة وسارية المفعول بين ناشطين ومثقفين وصانعي رأي عام سوري، بعد مضي نحو 3 سنوات على تحول الثورة عن مسارها المدني (بمعنى غير الديني وليس السلمي). فلا يزال حتى الساعة من يقول انه تسهل إعادة تقويم الأمور وإنه بالدعم السياسي والعسكري يمكن استرجاع ما ومن تمت خسارته لمصلحة «داعش» أو «النصرة». ويذهب بعض المتفائلين الى التأكيد أنه سيتاح ايضاً كسب الاقليات والرماديين من جمهور النظام.

لكن ذلك، عدا كونه غير واقعي ولا قابلاً للتحقيق، فهو إن صح، لأمر مخيف! لأنه يعني من جملة ما يعني استسهال شراء الذمم وبيعها في مجتمع كامل، وربما الاسوأ، استعداد «الليبراليين» لخوض هذه المغامرة.

والحال ان مواجهة المتطرفين (على ما يفترض هذا المقال) لا تحتاج الى أدوات القتال من مال وسلاح فحسب، بل لدوافعه النفسية والفكرية أيضاً. وهنا تحديداً دور المثقفين والمنظّرين السياسيين الذين انصب عملهم أخيراً على توصيف ما يجرى عوضاً عن محاولة استنباط بدائل «فكرية» تستعيض بها المجتمعات المحلية عن البعث و «داعش» معاً.

وإن كانت الجيوش النظامية تعرف بـ «عقيدتها القتالية»، فإن المجتمعات الاوسع تحتاج بدورها الى «عقيدة» أو روحية جامعة (ethos) أو قضية مشتركة، أو بمعنى أوسع ايديولوجيا سياسية تعرف الجماعة وتشد عصبها وتحضّها على الدفاع عنها والقتال من أجلها. وتلك مهمة «فلاسفة الثورات» من كتّاب ومنظّرين وحقوقيين. وعليه، لا يكفي ان نستعين مثلاً بـ «دموية» الثورة الفرنسية كلما احتجنا الى تبرير التجاوزات في الثورة السورية، ونغض الطرف في المقابل عن نتاجها الفكري والسياسي والاجتماعي والمبادئ التي أخرجتها الى الانسانية وليس لفرنسا فحسب.

وكي لا يفهم أنه مطلوب اليوم من الثورة السورية رفع ذلك التحدي نفسه، يجدر القول إن المسؤولية الأخلاقية في البحث عن مكونات هوية مشتركة وجامعة تكبر وتصبح أكثر إلحاحاً كلما طال النزاع.

وفي السياق، تقدم كوباني مثالاً نموذجياً. فهي تقاوم «داعش» بشراسة لم تشهدها الموصل أو الرقة، ليس بفضل المال والسلاح فقط، بل لأن هويتها العرقية تطغى على هويتها الدينية، وهي الجوهر الاصلي والمشترك بين المكونات الأخرى التي تعرف الجماعة ذاتها بها. فأهل كوباني يقاتلون كـ «أكراد» وليس كمسلمين ليبراليين/ معتدلين في مواجهة مسلمين متطرفين.

من هنا، يبدو النظر في مدى تدين المجتمع السوري أو تحرره في ظل غياب أداة قياس واضحة غير ذي طائل. فما يجب أن يحضّ على التفكير والبحث في المقابل هو تحديداً ذلك الخواء التام الذي يتخبط فيه المجتمع بحيث صار ممكناً اختزاله بنسبة تدينه وإهمال كل المكونات الاخرى لهوياته المتعددة، ما جعل منه كائناً زئبقياً يفتقر الى الجوهر ويتقبل كل فكر وأي فكر.

وذلك الخواء ليس بالطبع حكراً على سورية، وإن قدمت هي والعراق النموذج الأكثر فجاجة بفعل حكم البعث المديد. فهذه المجتمعات لم تنتج في التاريخ الحديث فكراً سياسياً غير «القومية العربية» التي كان البعث (والناصرية استطراداً)، أحد (أسوأ) تجلياتها. قبلها كان الاسلام ولا شيء سواه. ولعقود من الزمن لم يكن متاحاً لتلك الكتل البشرية المتجاورة ولكن غير المتجانسة، اختبار انظمة حكم مختلفة ومتعاقبة تخرج منها بشيء من تراكم المعرفة السياسية.

لذا، إن تركنا الشق الفقهي والروحي جانباً، يبقى أن الارتكان الى الاسلام كفكر سياسي هو الاكثر ضمانة وسط الفوضى. فهو المنتج المحلي الوحيد الذي خرج من عمق الثقافة العربية وقدم اجابات وحلولاً وبرامج سياسية واقتصادية ناظمة لسكان المنطقة. وبهذا وقبل أن تُحكم «النصرة» قبضتها كلياً على المناطق المحررة في شمال سورية وتسلمها لـ «داعش»، صار الاسلام «هوية اجتماعية وثقافية» تماهى معها بعض العلمانيين مرسّخين شعورهم بالطمأنينة اياها.

لكن وبمعزل عمن يمثل الدين أو يتخذه منصة لبلوغ السلطـــة، فإن واقع الامر يشير إلى أن «داعش» ونظيراتها، لم تــأت بالمال والسلاح فقط. بل قدمت برنامجاً يضبط التسيّب والفساد وفائض السلــطة في المناطق المحررة، وعليه، قبلـــها السكان لأن الاصـــل في البشر هو الانتظام او البحث عـــما يشبـــهه، ولـــيس الفوضى العارمة. والى هذا وذاك، جاءت «داعش» بطموح يدغدغ خيال اي مسلم، وهو اقامة الخلافة وما تعنيه من عدالة إلهية على الارض وتحرر من حكم جائر.

وأمام تلك المهمات العظيمة والتاريخية التي رصد الناس أنفسهم لها، تسهل التضحية ببعض حقوق الانسان والاقليات والمعارضين، ويتم غض الطرف عن اعدامات وتصفيات قد تؤخر هذا المسار. فليس من قبيل الصدفة أن يستعاض عن المخافر ولجان الأحياء بـ «الضابطة الشرعية» في المدن والبلدات قبل أكثر من سنة على دخول «داعش». هنا أيضاً زلت أقدام كثيرين بأن أحالوا ذلك إلى «الاسلام الاجتماعي» فيما هو بحث عن معنى ونظام.

خلاصة القول إن التشظي الاجتماعي الهائل الذي كشفته الثورة السورية وذلك الخواء التام وغيره الكثير مما آثرنا ترقيعه ريثما يسقط الاسد، لا يحله دعم خارجي بالمال والسلاح… ولا تجمّله حلاقة ذقن ونظارات شمسية، بل يحتاج إلى ركيزة فكرية تؤسس لأرضية مشتركة تجتمع فيها الهويات السورية ما بعد البعث.

(الحياة)

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com