هضبة أوتاوا الفستقية

هضبة أوتاوا الفستقية

المصدر: سمير عطالله

في سلسلة «مدن الصيف» كتبت عن تلك العلاقة الحميمة بين كندا وبيني. علاقة نقية مثل ثلوجها، وبسيطة مثل أهلها. وتحدثت عن حلم رومانسي مرحلة الشباب، وهو أن يكون لي بيت على نهر «الأوتاواي» تشذب رؤيته نفسي ويمنحني مسراه الهادئ الشعور بالسكينة.

كانت أوتاوا قرية كبيرة بين العشب والأشجار. لكنها أيضا عاصمة لثاني أكبر بلدان الأرض مساحة. من هذه «القرية» تدار شؤون المقاطعات التي تضم بلاد الإسكيمو. وكان أحد سكان تلك البلاد رجلا من جنوب لبنان يدعى محمد خباز، سمته الدولة عضوا في مجلس الشيوخ تكريما له. وبعده فاز اللبناني محمد حرب بالنيابة، ثم أصبح عضوا في مجلس الشيوخ.

من محمد خباز إلى محمد حرب والإسكيمو بينهما، تدرك كم هي هذه البلاد هائلة المساحة، فسيحة القلب. وخلال حرب لبنان كان يقف عند الطائرات في مطارات البلاد موظف من الهجرة ينادي بأعلى صوته: هل من طالبي لجوء؟ ثم فتت الصوماليون بلادهم، فأصبح الموظف نفسه يسأل بصوت عال: هل من صومالي طالب لجوء؟

لا الدين ولا العرق ولا اللون. بلاد تشبه الأحلام التي لا تُرى إلا في الحلم. في منصب الحاكم العام سيدة من أصول صينية، بَهِجَة الحضور، فاخرت أمام مراسل الـ«بي بي سي» الشهير أنطوني سامبسون، بأن الفستان الذي ترتديه، أهداها إياه زوجها قبل 30 عاما. وهذه السيدة صاحبة السعادة كانت تتناول طعام الغداء في مطعم شقيقي منير، تقريبا كل يوم. عبثا حاول أن تقبل دعوته مرة واحدة. كانت تضحك دائما وتقول له ضاحكة: أنتم اللبنانيون تحاولون رشوة الحاكم العام! وكان ثمن الغداء عادة نحو 5 دولارات. ومن ثم أعطي منصب الحاكم العام لتلك السيدة من هايتي.

تقوم مباني الدولة في بقعة صغيرة على هضبة، يزينها مبنى البرلمان ذو السطوح الفستقية اللون. ولا يمر شهر إلا ويقر البرلمان قانونا في تحسين أوضاع العاديين من الناس. ولكثرة ما أقرت البرلمانات من قوانين، لم تعد هناك من مطالب يتخيلها الإنسان، حتى في السويد، التي نسخت كندا نظامها.

يتحدث النواب بصوت هادئ. ويرد الوزراء بصوت أكثر هدوءا. مثله مثل هدوء أوتاوا التي ربما يسمع صوتها – ربما – في مباريات الهوكي، كرة الجليد. ذعرت أوتاوا أول من أمس للمرة الأولى في تاريخها. دق الكابوس الرهيب أبواب قلعة الحلم. حمل القتلة إلى محلة البرلمان بشاعة لم تكن تخطر لأحد: العنصرية والموت والقتل. هكذا كوفئت البلاد التي يذهب مندوب الهجرة إلى المطار ليسأل: هل من طالب لجوء!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع