سقوط المثقف وولادة داعش

سقوط المثقف وولادة داعش
محمد فهد الحارثي

داعش الوباء الجديد في المنطقة، والظاهرة المحيرة في نشوئها وتطورها وتوسعها. والآن هي القاسم المشترك بين المؤتمرات والخطابات والمقالات، كما أنها جمعت تحالفاً دولياً نادراً لمحاربة هذا الوباء. ويرى كثيرون أن العلماء عليهم مسؤولية كبيرة في توعية الشباب بخطر داعش وأهدافها وكونها فئة خارجة عن الإسلام، وأنها تتلاعب بالعاطفة الدينية لدى الشعوب المسلمة، خاصة صغار السن لاستقطابهم للتنظيم.

وقد بادر علماء أفاضل، وكذلك هيئة كبار العلماء في السعودية، بتجريم هذه الحركة وتحريمها، وأوضحوا أن الإرهاب جريمة نكراء. وإذا كان الحديث يدور حول رجال الدين فهذا جانب، ولكن هناك جانب آخر مهم ومؤثر وهو شريحة المثقفين، فهي عليها مسؤولية في الوضع الحالي للأمة العربية.

فالمثقف الذي كان يفترض أن يكون صمام الأمان للأمة، فقد دوره وفقد ثقة الجمهور فيه، وغياب المثقف الحقيقي ساهم في ضبابية الصورة عند الجمهور. كما أن غياب القدوة ساهم في اختلاط الأمور على الجيل العربي، فصوت المثقف خافت في أحيان، وفي كثير من الأحايين متلون حسب المصلحة ومع من تميل الكفة.

ظاهرة داعش ليست دينية فحسب، بل هي ظاهرة فكرية، فالمجتمعات العربية لم تتطور في بنيتها الثقافية إلى الحد الذي يجعل ظهور أعراض خارجة عن المنطق والعقل، أمراً مرفوضاً من المجتمع. بل البيئة الثقافية والإعلامية تلعب دوراً في تعزيز الفكر الاستبدادي، والتشريع والتبرير لممارسات الجهة الأقوى، سواء كانت هذه الجهة سلطة سياسية أو قوة مالية أو أي جهة أخرى تملك أوراقاً قوية في يدها. إن فشل المثقف العربي في إيجاد بيئة فكرية عصرية عقلانية، هو سبب جوهري لتفريخ التطرف والجهل والحروب الطائفية.

ونظرية المؤامرة جزء من الهروب في العقلية العربية، فبدلاً من مواجهة الواقع والتحدث عن الأخطاء بصراحة، يقفز كثيرون للطريق الأسهل وهو تحميل الأخطاء للغير. والحديث عن مؤامرة اتفق عليها الشرق والغرب لإبادة الحضارة العربية والإسلامية، هو حديث ميتافيزيقي يستجلب الأساطير والخيالات النرجسية.

والمؤسف أن مثقفين أو محسوبين على الثقافة يساهمون في تعزيز هذه الصورة وترسيخها، ولذلك تنتج شباباً لديهم نقمة على الآخر، باعتبار أن المؤامرات التي تحاك يجب الانتقام لها ومحاربة الآخر وليس الحوار معه، وهذا مما ساهم في تغذية العنف والفكر المتطرف. وينطبق ذلك على المثقف الذي يعمل على تزيين صورة الزعيم السياسي، وتصويره على أنه منقذ الأمة وزعيمها الأوحد، وهذا ما نشاهده من بعض من يدعون الثقافة ويهللون للزعيم السوري بشار الأسد، حتى بعد قتله لأكثر من ربع مليون شخص من مواطنيه!

ويتجرأ واحد منهم ليقول إنها حرب مصير والتضحية واجبة، وكأن الشعوب قطيع من الأغنام، ويستجلب كل عصاره ثقافته ومفرداته وإسقاطاته التاريخية ليعطي الشرعية للنظام. وهنا يساهم المثقف بشكل غير مباشر في استمرار آلة القتل والتشريد للألوف من المواطنين، فحينما يمجد المثقف الفظائع الديكتاتورية يصبح جزءاً من المشكلة وليس الحل.

المثقف العربي يتحمل مسؤولية في الواقع السياسي الحالي للعالم العربي، وغياب الصوت الجريء حتى لو اختلف مع الموجة السائدة، سبب في تردي الأوضاع السياسية والثقافية. في حين نرى مثقفاً مثل جان بول سارتر، يعترض على الجرائم التي ترتكبها فرنسا في الجزائر، وينتقد بلده والجيش ويصدر كتابه الشهير »عارنا في الجزائر«، منطلقاً من موقفه كمثقف له مبادئ، حتى لو اختلف وقتها مع توجه الدولة والشارع، وقد كان محقاً.

وقد اعتذرت فرنسا رسمياً عن جرائمها التي ارتكبتها في حق الجزائريين. هذا مثال لصوت مثقف يكتب عن قناعاته، وليس حسب مصالحه أو لكسب جماهيرية زائفة في الشارع.

إن الأخطاء التي تقع على الشعوب العربية ليست فقط من الأنظمة السياسية المتسلطة، بل أيضا من سقوط المثقف وفشله في تأدية رسالته الحقيقية. ولذلك يصل الفرد العربي إلى حالة إحباط، وتأتي حركة متطرفة همجية مثل داعش لتسوق لنفسها وتجد من يتعاطف معها، بل ومن ينضم إليها. ويطرح المثقف نفسه السؤال المتكرر ببراءة؛ كيف يمكن لهذا التنظيم أن يقوم ويجد من المتهورين السذج من ينضم له! عزيزي المثقف، راجع حساباتك فقد تكون أنت السبب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع