سبُّوبة النقد البناء

سبُّوبة النقد البناء

فهمي هويدي

حين يعبر المسئول عن امتعاضه مما يسمعه ثم يستدرك قائلا إنه يرحب بالنقد البناء، فثق أن الرجل لا يريد أن يسمع شيئا سوى المديح. أقول ذلك بمناسبة ما صرح به أحد الوزراء تعقيبا على واقعة قطع إرسال بث أحد البرامج التليفزيونية لأن مقدمه انتقد أداء بعض وزارات الحكومة في مصر.

وليس عندى كلام عن مسألة قطع الإرسال، التي هي فضيحة بحد ذاتها كشفت عن المدى الذي بلغته الرقابة على البث التليفزيوني، التي باتت تراعى حساسية السلطة بأكثر مما تحترم المشاهد. حتى انها لم تعد تتردد في إهانة مقدم البرنامج أو النيل من سمعة القناة مجاملة للحكومة واستجابة لتحفظاتها.

أعني أن دلالة قطع الإرسال واضحة، ولا يحتاج المرء لأن يبذل جهدا في تسليط الضوء على سلبياتها. لكن محاولة تغطية التصرف بشعار النقد البناء هي التي تحتاج إلى مراجعة وتحقيق. إذ لأول وهلة يبدو للمتلقى ان المسئول يرحب بالنقد ويشجعه، لكنه يشترط فيه فقط ان يكون «بناء».

وهي حجة تعنى أنه اعتبر المعلومات التي وردت في البرنامج التليفزيونى من قبيل النقد الهدام الذي ينبغى وضع حد له، لمنعه من أن يحقق غرضه الخبيث وهدفه الشرير. والحقيقة ان الخبيث في الأمر ليس سوى المنطق الذي بنى عليه الوزير حجته، ذلك انه لم يتعرض لصحة المعلومات أو كذبها، لكنه شكك في نوايا مقدم البرنامج ومعديه، وبذلك فإنه ترك المعلوم الذي يمكن تقييمه ايجابا أو سلبا، إلى المجهول الذي يتعذر إثباته أو نفيه.

في مجتمعاتنا التي غابت عنها الممارسة الديمقراطية لم تعد الصدور تتسع للقبول بأى نقد، حتى صارت أى ممارسة من ذلك القبيل شذوذا وخروجا على المألوف. وهو أمر مفهوم لأن السلطة التي لا تتعرض للمراجعة والمساءلة من جانب الرأى العام أو ممثليه، ومن ثم تتوقع من الآخرين أن يقتصر دورهم على الامتثال المقترن بالتصفيق والتهليل.

وإذا كانت المعارضة لها قيمتها واحترامها في النظم الديمقراطية. إلا أنها في المجتمعات غير الديمقراطية محاطة بالشبهات والاتهامات. وفي أحسن أحوالها فإنها توصف بأنها «طابور خامس». (لنا في مصر خبرة خاصة في هذا الصدد ليست بعيدة عن الأذهان). حتى أزعم بأن المبدأ المتداول في أوساط المتصوفة، الذي يقرر ان من «اعترض انطرد» صار قاعدة في أوساط السلطة الأبوية، التي يريحها كثيرا ان تكون علاقتها بالمجتمع مماثلة لعلاقة المريد بشيخه في عالم التصوف.

يذهب الدكتور جمال حمدان في مؤلفه حول «شخصية مصر» إلى أن نصوص الأخلاق في مصر الفرعونية القديمة تلح إلحاحا شديدا على الصمت باعتباره فضيلة ينبغى أن يتحلى بها المواطن الصالح. ومن بين ما استشهد به في ذلك نص منسوب إلى الملك خيتى (حوالى سنة 2000 قبل الميلاد) نبه فيه ابنه مريكارع إلى «أن رجلا يتكلم أكثر من اللازم لهو كارثة على المدينة». وبطبيعة الحال فالكلام المقصود في الوصية الفرعونية هو النقد الذي يتناول الأخطاء، لأنه لو كان مديحا لما اعتبر كارثة، ولصار «نقدا بناء» مرحبا به.

بسبب من ذلك فلعلى لا أبالغ إذا قلت ان مصطلح «النقد البناء» قد يكون مهذبا وإيجابيا في ظاهره باعتبار أنه يحمي الصالح العام، لكنه مخادع في حقيقته. لأن النقد إما أن يكون موضوعيا أو غير موضوعى. والموضوعى هو الذي يتخير المنبر المناسب ويعتمد على معلومات صحيحة معروضة بصورة تخلو من الإثارة والتحريض.

وفي هذه الحالة لا يهم ان تعجب أى مسئول أو لا تعجبه، وليس له أن يعترض على ذكرها، لكن من حقه أن يفندها أو يصوِّبها أو يكذبها، ولكن ليس من حقه أن ينقب في أعماق مصدرها لكى يفتى بأنه يقصد البناء أو الهدم. أما النقد غير الموضوعى فهو الذي ينبنى على معلومات غير صحيحة أو يتوصل إلى نتائج مقطوعة الصلة بالمعلومات الصحيحة، أو أنه ذلك الذي يترك الموضوع ليطعن في الشخص ويجرحه.

مصطلح النقد البناء فضفاض وحمَّال أوجه. وهو يماثل في مراوغته مصطلح «الفن الهادف» الذي يراد به اخضاع الفن لوصاية سلطة من خارجه ــ سياسية في الغالب ــ هي التي تحتكر تحديد الأهداف وتقرر مدى صلاحيتها. في حين ان الفن فيه الجيد والردئ ومعايير كل منهما متعارف عليها. وكل فن جيد هو بناء بطبيعته حتى إذا كان ينشد امتاع الناس واضحاكهم. ومن الممكن ان يصبح الفن رديئا حتى إذا امتلأ بالمواعظ والإرشادات التي تنفع الناس في الدنيا والآخرة. وما يسرى على الفن ينطبق على الأدب والشعر.

ربما يقال ان النقد البناء ينبغي أن يراعي ملاءمات معينة تراعى الظروف التي تمر بها البلاد. بمعنى ان التوقيت له أهميته في توجيهه. وهذا صحيح بصورة نسبية إلا أنه ينقل الحوار من المستوى المهنى إلى المستوى السياسى. ولا ينبغى له أن يكون ذريعة لإسكات الأصوات الناقدة. إلا أن ذلك القيد يجب أن يظل محصورا في الأسرار العسكرية بحيث يصبح الهدف منه حماية مصالح الدولة العليا وليس التستر على عورات النظام وأخطاء المسئولين. علما بأن أى تجاوز خارج تلك الدائرة يتعين ان يعالج بواسطة مؤسسات المهنة وليس بأدوات السلطة السياسية.

لقد أشرت توا إلى اختلاف المفاهيم والقيم في المجتمعات الديمقراطية عنها في الدول غير الديمقراطية التي تشيع فيها أساليب وحيل تكميم الأفواه ومحاصرة الإبداع. لذلك فإن جوهر القضية لا يكمن في كون النقد بناء أم غير بناء، ولكنه فيما إذا كنا مع الديمقراطية وحرية التعبير أم ضدهما.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع