قصائد – إرم نيوز‬‎

قصائد

قصائد

عبده وازن

1- سرقة

إن أعجبتك قصيدة وتمنّيت لو كنت صاحبها، اسرقها بلا تردّد، إنها كُتبت لتكون لك أيضاً. صاحبها كتبها وكفى. احذف منها قليلاً، أضف إليها قليلاً، صورةً من هنا، مجازاً وموسيقى خافتة، لا تدع فيها أثراً لصاحبها.

هذه ليست خيانة. القصائد كلها تبحث عمّن يوقظها من غفلتها، ولكن… ولكن حذار أن يعرفها صاحبها إن هو قرأها يوماً. كنْ سارقاً حذقاً لئلا تفضح نفسك. ما لم تكن سارقاً ماهراً فلن تكون شاعراً بتاتاً.

يوماً ما سيأتي شاعر آخر ويسرق القصيدة نفسها. أنت إذا قرأت القصيدة لن تعلم أنها قصيدتك التي سرقتها يوماً بحذاقة.

2- عطر النيون

تحت ضوء النيون في الغرفة المغلقة، لا يمكنك إخفاء ولو قشعريرة تعبر روحك سراً. الضوء الناصع، الأسطع من موت، يسقط كملح من سماء بيضاء فيفضح كل ما خفيّ في زوايا اللامرئيّ.

لا ظلّ هنا لوجه ولا ليد إذا ارتفعت ولا لعين إذا أُغمضت.

ضوءٌ يبرق كالفولاذ ماحياً ما ينبثق من أحاسيس، ماحياً غفلة النظرة ونوم المقلتين. لا غيمة ترفّ هنا ولو صعدت من سويداء الأرق، وإذا هبّ عصفور من حفرة، فهو سرعان ما يسقط بلا جناحين.

تحت ضوء النيون لا زاوية لعتمة قلب، لا فسحة لإشراقة. مطر من ثلج يتساقط جارفاً كل الأفياء الصاحية. حتى النافذة إذا نظرت إليها ألفيتها بيضاء. حتى المرآة تجدها جليداً. النهار نهار هنا والليل نهار. الظهيرة تنسكب كالحليب في كأس الغروب. حتى الفجر له رائحة شمس تغرب ناصعة .

تحت ضوء النيون في الغرفة الممتلئة بخوائها، لا ترى يمامة ولا سنونوة تخفي ربيعاً في عينيها. الثلج أليف وقد يحرق الأصابع. الشمس لا تنحني هنا ولا حمرتها تسيل. حتى القمر يتوارى وسع الجدار. قد يمرّ يوم، يومان، شهر، سنة، قرن… وقد تعلّق ساعة الجدار دقاتها. حتى عيناك قد يسقط على جفنيهما قطنٌ أرقّ من زبد.

3- سرنمة

أخلد كلّ صبح إلى يقظة أشدّ اختداراً من سرنمة النائمين الذين لا يغمضون عيونهم. قد لا يكون يقظةً هذا النهوض من وهدة أحملها كغيمة ملء عينيّ. إنني أصحو من نوم أشبه بصحو السماء في شتاء عميق، من أرق هو أشفّ من النعاس عندما يهطل، وغالباً ما تأخذني الحيرة: أنوماً أنام أم صحواً أشبه بيقظة في صميم حلم لا نهاية له؟

4- صوت مجروح

كأنني لامرأة أغنّي

أجهلها من كثرة ما حدّقت

في وجهها

لامرأة كأنني

بصوت مجروح

أقول أحبها

أقول عرفتها

قبل أن يتناهي إليّ وردها

أقول غبت في بريق عينيها

لامرأة كأنني أنتظرها في فراغ منظر

أنتظر خروجها من غيمة عند المنحدر

ومهما تلألأت عيناها

طيفها ينحني على يديّ

المفتوحتين أبداً.

5- العود الأزلي

ليس ما يحول دون عودتنا مرة أخرى. جميعهم عادوا كما أوصاهم نيتشه، لكنه وحده أبى العودة عاصياً إرادة الكون. لم تكن مجرد عبارة أطلقها هذا الزرادشتيّ، هذا المسيحيّ، هذا العدميّ، بل هو أصرّ أن العالم لن يبقى على ما كان.

العالم يسأم نفسه، ولا بد من نظرة إلى الوراء أو إلى الأمام، ســـيّان. أليســـت الأرض كرة كما أثبت كوبرنيكوس؟ إذاً لا إمكان لاعتراض هنا.

إننا سنعود، وربما عدنا من غير أن ندري. أنظر إلى الشمس ألا تراها شاحبة كما لم تكن يوماً؟ أما القمر فأشدُّ بياضاً في الفجر.

هذا سرّ. كفانا أسراراً. حتى الآن لم نعلم من نحن. لا يهمّ. لنا منزل وطريق وعلامات على جانب الطريق. يكفي أن ننظر أبعد قليلاً ليخامرنا شـــعور بطمأنينة لا نعلم من أين تبزغ.

إننا سنعود ولكن لا ضرورة أن نعلم كيف وإلى أين. ما دمنا لم نعلم لماذا الأرض مستديرة وليست مسطّحة. هذا لغزٌ. وليس من شيمنا الخوض في الألغاز. ربما سهرة على السطح تحت ضوء القمر تكون أجدى من البقاء في المختبرات.

وقد يجيبنا نيتشه نفسه، الذي ظنّ أنه علم كل شيء، أن العودة ليست إلا ضرباً من الوهم لتعليل النفس. لكننا سنعود إن لم نكن عدنا ولم ننتبه.

6- شبح

لا وجه لي أراه في المرآة

لا عينين لي أخبّئ فيهما سماء

الشعاع الذي عبر محا صورتي

وصرت كالطيف لا يبصره أحد

أعبر أبواباً مغلقة

الجدران لا أترك فيها أثراً

والسياج لا يجرح يديّ.

إذا لفحني هواء

أترنّح خفةً

أحلّق قليلاً

ثم أسقط كورقة خريف.

إنني الشبح

الذي فقد عينيه

قبل أن يخرج من الظلام.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com