حديث ما بعد القصف في سوريا

حديث ما بعد القصف في سوريا

عدلي صادق

اختلطت الأوراق واختلفت المواقف العربية حيال مسألة القصف الأميركي على مواقع سورية عسكرية، بمشاركة البريطانيين والفرنسيين. فقد أطلقت الصواريخ التي وصفها دونالد ترامب، من مكتب تغريداته على فيسبوك؛ بأنها ذكية وجديدة. وبدت التناقضات في المواقف العربية انعكاسا للحال العربية وللمشهد السياسي العام في دنيا العرب.

ففي الأصل وفي الفروع، يرفض الوجدان العربي كل قنبلة تنفجر في الأشقاء السوريين أيا كان مُفجّرها، وأيا كانت ضحاياها، وأينما كان الانفجار، غير أن طبائع الطرفين أي الذي ضَرب، والذي تلقى الضربة، فيها الكثير مما يشكك في صدقيته. فلا الأميركي الذي يضرب، ولا النظام السوري الذي يتلقى، عُرف عنهما حُسن الأفاعيل.

فالأميركيون ليسوا حماة العدالة ولا حماة الأرواح، حتى في الحدود الدنيا، وليس النظام السوري طريدة بريئة ذات مآثر، يتقصدها الإمبريالي لوقف أفضالها على شعبها وأمتها. أما الروس الذين أغضبتهم الضربة ورأوها موجهة لكرامتهم، فإنهم أنفسهم الذين توحشوا ضد السوريين، وينسقون مع إسرائيل التي يُفترض أنها عدوة النظام السوري، بمعنى أن الطرفين، الذي يضرب والذي يتلقى الضربة، طرفان ضالاّن وصديقان لإسرائيل مع بعض التفاوت في الدرجات. أما النظام الذي بينهما، فلا قيمة له ولا فاعلية سوى أنه يضرب ناس سوريا دون تمييز، وهو، بغروره في بدايات الأزمة والانتفاضة الشعبية السلمية؛ كان ولا يزال صاحب المسؤولية الأولى عن انفجار الأوضاع وانفتاح بطن بلاده لكل الطامعين.

الانحياز لسوريا الوطن والشعب؛ هو أصل الموقف وقاعدة القياس. ولا يختلف اثنان على أن قطاعات شعبية واسعة من العرب، تمنت الهزيمة للأميركيين، لكي يتعلموا أن استرخاص تمنيات الشعوب وإنكار حقوقها، من شأنه أن يخلق رأيا عاما مضادا لهم، لا قناعة لديه بأن واشنطن تمتلك الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية عن دفع المظالم والغضب من التعديات على أطفال دوما أو غيرها. فهم الآن رعاة أصحاب المقتلة المديدة لشعب فلسطين، ولمثيلاتها من المَقتلات، في العراق وليبيا والكثير من بلدان العالم في التاريخ المعاصر. فما زعمهم أنهم يعاقبون النظام على قصف “دوما” بالغازات، إلا وسيلة خداع في سياق المكاسرة بين الإرادتين الأميركية والروسية، وهذه مكاسرة يأخذ دونالد ترامب بناصيتها، لكي ينفي عن نفسه الاتهام بأن الروس مسؤولون عن نجاحه في الانتخابات الرئاسية الأميركية!

يصح التساؤل: كيف يقنعنا الروس أن رفضهم الهجوم الأميركي على سوريا، أو استعدادهم للتصدي له، هو محض التزام بالدفاع عنها أرضا وشعبا، وعن سيادتها، في مواجهة أي معتدٍ؟ فالسلاح الإسرائيلي هو شقيق السلاح الأميركي، فلماذا ينزل الأول بردا وسلاما على الروس وينزل الثاني جحيما. بل إن السلاح الثاني عندما يضرب في سوريا تحديدا، فإنه يتحاشى الروس بالتركيز على المواقع العسكرية، وبإحداثيات أقرب إلى الدقة، أما السلاح الإسرائيلي، عندما يضرب، تاريخيا، فلا يهمه التركيز، ويقصف أبرياء آمنين، وبالمحصلة يكون الأجدر هو أن الأطراف الأربعة، ومعهم فرعان، هما خفافيش الظلام أصحاب الرايات السوداء المنتحلة للإسلام بالخطابين الأصولييْن السُني والشيعي، ومن ورائهم إيران وتركيا؛ يضربون السوريين ويعتدون على وطنهم ويقامرون ويسفكون الدم، من أجل مصالحهم وهيمنتهم ونفوذهم وأحلامهم المريضة ونزعاتهم الطائفية.

سوريا الحرة الديمقراطية الموحدة التي يتساوى فيها المواطنون، والخالية من كل استطالات المعتدين والطامعين وتابعيهم، والمفرغة من الجموح الطائفي، هي أمل السوريين والعرب وبرهان العدالة. فلقد أثبتت سنوات الصراع على سوريا والرقص على جثث شهدائها، أن الأطراف الرئيسة الأربعة: أميركا وروسيا وإسرائيل والنظام السوري ببُنيته الراهنة ومنهجيته، ومعهم الطرفان الرديفان على جانبي الصراع، إيران وتركيا؛ هم الذين أحبطوا انتفاضة الشعب السوري وسعيه إلى الظفر بأمنياته. فقبل أن يتدخل الروس والإيرانيون، بكل ثقلهم لإنقاذ النظام، كان الشعب السوري، ومعه الفارون من الجيش، بعد أن تحول لضرب شعبه بالنيران؛ على وشك تحقيق الانتصار، لكن ارتهان تركيا، للأميركيين الذين خانوها بعدئذ، جعلهم غير مستعدين لمساعدة السوريين على تحييد الطيران واستكمال انتصارهم، وبدل دعم الطرف الساعي إلى الحرية أدخلت تركيا الأردوغانية، ذوي الرايات السوداء، الذين خانوها بعدئذ هي الأخرى، ثم تدخلت إيران من الموقع النقيض، وبدأت تتسع دوائر الذبح الممنهج للشعب السوري، وكان من المفارقات أن يتصالح الأتراك والإيرانيون على قاعدة مصالحهم، والأتراك والروس على قاعدة مصالحهم، وأن تنسق الأطراف المنخرطة في الصراع في ما بينها، في موازاة التنسيق الروسي الإسرائيلي، لكي يستمر سفك دماء السوريين وتمزيق سوريا.

لم يكن هناك الحد الأدنى من المبادئ، ولا من شرف الإحساس بواجب الدفاع عن السوريين الأبرياء ومقدراتهم وبيوتهم وحتى على حقوقهم في البقاء على أرض مدنهم وقراهم. وعندما يهجم الأميركيون، بهذه الطريقة التي قوّت النظام السوري ولم تضعفه؛ يزداد مشهد الصراع تعقيدا، ويتسع عيار نزف الدماء، كما دل عليه قصف طائرات النظام بعد الضربة، ما جعل اليائسين الذين فقدوا منازلهم وأبناءهم وسُفكت دماؤهم يتمنون أن تذهب الأطراف كلها إلى محاربة بعضها البعض بعد أن أخربت سوريا وأدمت شعبها وصولا إلى “دوما”.

كان الأجدر بالنظام السوري والروس والإيرانيين، بدل التشكيك في حقيقة استخدام الكيمياوي، أن يعملوا منذ سنوات، على منع استخدام هذا السلاح الحقير، ومنع القصف العشوائي على الأبرياء. كذلك كان الأجدر بهم، أن يساعدوا على تطبيق هذا المبدأ، ودعمه في كل الصياغات التي يطرحونها للتسوية. فالتلاعب بالألفاظ ورمي المعاني المعبرة عن المقاصد الحقيقية، في بطون الجُمل لإخفائها؛ يجرى على حساب الدم العربي السوري. لقد حان الوقت منذ سنوات، لأن يقول العرب والعالم كفى قتلا وتشريدا للسوريين. وحان الوقت لأن تُعطى الكلمة الفصل لشعب سوريا، في وطنه وفي شتاته، ولعل صيغة جنيف التي تعمد الروس إضعافها، هي الأصلح!

لم يكن الأميركيون والمستعمرون القدامى حريصين على تطبيق صيغة جنيف، ولم يكونوا يكترثون للبراميل المتفجرة، التي تفتك بالمدنيين دون تمييز. أما إسرائيل التي يشتقّون من تمنياتها كل خططهم، فلا تخيفها البراميل التي تحملها طائرات يصعب تحليقها في أجواء دولة الاحتلال دون إسقاطها، لكن الغازات السامة بكل أنواعها، هي سلاح تخشى إسرائيل مجرد وجوده، إذ يمكن الافتراض أن يجري في أي مواجهة، تحميله لصواريخ. وهنا مكمن خطورته بالنسبة لإسرائيل وللغرب تاليا.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com