سوريا: من الصراع الداخلي إلى الدولي – إرم نيوز‬‎

سوريا: من الصراع الداخلي إلى الدولي

سوريا: من الصراع الداخلي إلى الدولي

عبدالوهاب بدرخان

دخلت محنة سوريا سنتها الثامنة ولا ضوء في نهاية النفق، بل سنتها السابعة والأربعين مع النظام نفسه، الذي تبيّن أنه كرّس كل جهوده للاستعداد لحدث كالذي بدأ في 2011 من أجل إصلاحه أو تغييره، ولن ينتهي إلا بتغيير خريطة سوريا، بعدما أنجز عملياً تغيير واقعها رأساً على عقب وفرض تقويضاً قسرياً لطبيعة شعبها. وإذا قُدّر لرئيس النظام أن يحقّق هدفه بالبقاء في السلطة حتى 2021 وربما الترشح لولاية رابعة، وهذا معلن ومؤكّد في أوساطه، فإنه سيختم خمسين عاماً تقاسم فيها مع والده حكم سوريا ليدشّن مرحلة تالية. والفارق أن الوالد استخدم شدّته ودمويته وخبرته وحنكته لإحكام السيطرة على البلد وتجنيبه أي تدخّلات أو اضطرابات تهدّد مصيره، أما الابن فاستخدم قلّة مؤهّلاته ليترك البلد نهباً لـ«المشروع الإيراني» وللعنف الداخلي الأعمى بين أجهزته وشعبه، ولكل أنواع التدخّلات الخارجية التي لا تبالي بسوريا والسوريين أو بالنظام لكنها تيقّنت بأن سوريا مطروحة لتقاسم النفوذ بين أطراف لا يهمّها أن تعود سوريا بلداً موحّداً.

في عام 2011 كان «الإصلاح» الشعار الأول الذي رفعه الشعب، وكان الأكثر صدقاً وواقعية، بل الأكثر تعبيراً عن أن الشعب يدرك صعوبة «التغيير» ولا يريده فورياً ومباشراً، والمؤكّد أنه لم يرد انهيار الدولة، وهو ما ترجمته عواصم كثيرة، من واشنطن إلى الرياض وما بينهما، بدعوة النظام نفسه إلى تحديد الإصلاحات وقيادة تنفيذها. لكن العنف التلقائي للنظام كان الردّ الفظّ على الداخل والخارج معاً. وفي 2012 بدأت الانشقاقات عن الجيش لتباشر إيران إقحام ميليشيا «حزب الله» في القتال والتهجير واحتلال القرى والبلدات بدوافع طائفية ومذهبية. أما عام 2013 فتميّز بتطوّرَين:

1) ازدياد الاستقطاب الطائفي والمذهبي بصعود الإسلاميين من «إخوان» و«سلف» في مواجهة أتباع النظام والإيرانيين وانعكاسه بتشرذم فصائل «الجيش السوري الحرّ» بين داعميه ومموّليه.

2) استخدام النظام السلاح الكيماوي ووضعه النظام الدولي أمام اختبار «الخط الأحمر» ثم نجاته من أي عقاب وبالتالي «شرعنة» غير معلنة لاستخدام ذلك السلاح.

كان 2014 العام الفاصل بين حل عسكري (داخلي –إقليمي) سعى إليه النظام والإيرانيون وبين حل سياسي (دولي) افتُتحت لأجله مفاوضات جنيف، كنتيجة حتّمتها الواقعة الكيماوية، وكخطوة داعمة لـ«توافق» أميركي روسي في صدد الإنضاج. تضافرت التطوّرات الميدانية بتصعيد إيراني محموم وتطوّرات الأزمة الاوكرانية في إحباط ذلك «التوافق» الدولي، ومذّاك ضاعت فرصة الحل السياسي بل زادها ضياعاً دخول الإرهاب الداعشي على الخط ما أدّى إلى تغيير جذري في مآلات المسألة السورية. انتهت محاولة الحسم الإقليمي لتبدأ مع التدخّل الروسي المباشر عام 2015 مرحلة متناقضة سعت فيها الولايات المتحدة إلى «تخدير» الأزمة الداخلية لمصلحة الاستعداد لمحاربة «داعش»، أما روسيا فانخرطت في ضرب فصائل المعارضة «إنقاذاً للنظام» ما كثّف الضغوط عليها لتشرع في المقاربة السياسية للأزمة، واستُصدر القرار 2254 كإطار جديد للتفاوض الذي ما لبث أن أُحبط بسبب استمرار السعي إلى حل عسكري اعتبر إسقاط حلب (ديسمبر 2016) بداية له ويبدو الآن أنه يتطلّع إلى إسقاط ادلب بعد الانتهاء من الغوطة الشرقية لدمشق.

في السنة الثامنة لم يعد للصراع الداخلي الأولوية، فالنظام أصبح مجرد هيكل أجوف لا يزال واقفاً بفضل حلفائه الروس والإيرانيين، والمعارضة فقدت معظم مواطئ القدم التي كانت تتيح لها التفاوض على حل سياسي معقول ولم يكن لها حلفاء مماثلون يريدونها أن تبقى واقفة.

ولعل نظرة إلى الوراء تُظهر أن المراحل السابقة إنما كانت تعدّ للمرحلة الراهنة، إذ أصبح الصراع دولياً. فأي تصعيد هنا أو هناك بات يُفهم على أنه «رسائل» امتعاض واستياء ودعوات إلى تجديد تفاهمات أو سعي إلى الاستفزاز والمواجهة، سواء بين روسيا وأميركا أو بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل وتركيا من جهة أخرى. وعندما يتسمّم المناخ الدولي بالنزاع الأوكراني المستمر والمتصاعد، والتنافس الأميركي الصيني الروسي على استقطاب كوريا الشمالية، أو بتسخين المواجهة مع إيران، ثم باستخدام روسيا غاز الأعصاب لقتل جاسوس روسي سابق يعيش في ملاذه البريطاني وفي تحدٍّ سافر للقواعد الدولية.. يستعصي على العالم البحث عن وفاق دولي جديد. وبالنسبة لسوريا لا يعني التعقيد الدولي أنها الساحة الجاهزة للصراعات فحسب، بل إن محنتها ستبقى مفتوحة ولا أولوية لها على الأجندة الدولية.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com