الحوار مع طهران وبيونج يانج – إرم نيوز‬‎

الحوار مع طهران وبيونج يانج

الحوار مع طهران وبيونج يانج

عبدالوهاب بدرخان

ما لم يكن متصوّرًا أصبح محتملاً. فاللقاء بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون ممكن في مايو المقبل، أما هل يثمر أم لا فمجال التكهّنات مفتوح. لكن زعيم كوريا الشمالية يبدو منفتحًا، بل مستعدًّا لوقف التجارب النووية تسهيلاً للمحادثات التي، إذا حصلت، لن تكون سهلة ولا سريعة، نظرًا إلى مخزون ضخم من عدم الثقة من جهة، وإلى الشروط والشروط المضادة من جهة أخرى. ويرى المحللون أن ثمة أسباباً ثلاثة لهذا التطوّر: الأول أن بيونج يانج بلغت الذروة في استعراض القوّة بتهديدها الولايات المتحدة نفسها، وبالتالي فهي ستفاوض من موقع تعتبره مريحاً. الثاني أن اقتصاد التهريب وغسيل الأموال لم يعد كافياً لمعالجة المشكلة الاقتصادية الكورية المزمنة والمتفاقمة بالعزلة والعقوبات، إذاً فلا بدّ من شيء من الانفتاح ولو في أضيق نطاق. والثالث أن الصين قد تكون وراء المزاج «الإيجابي» لكيم جونغ أون، فهي مدركة أن مجال التوافق بينه وبين ترامب يبقى محدوداً إلّا أنه قد يساهم في خفض التوتّر في الأرخبيل الكوري، فضلاً عن فرملة الاستخدام الروسي لتهوّرات بيونج يانج.

كوريا الشمالية تموّن إيران والنظام السوري بما لديها من منتجات الدمار الشامل، ومع ذلك بات الحوار معها ممكناً، خلافاً لإيران التي استقبلت أخيراً وزير الخارجية الفرنسي الذي شاء إجراء حوار «صريح وعميق» معها، غير أن كل إجاباتها عن أسئلته كانت سلبية، والأرجح أن «جان إيف لودريان» غادر طهران بما كان يتوقّعه قبل أن يزورها، وربما بصورة أكثر تعقيداً مما كان يعتقده. هنا أيضاً ثمة أسباب ثلاثة: الأول أن إيران تعتبر أن توقيعها على الاتفاق النووي لم يكن صفقة رابحة بالمقدار الذي توقّعته، ولذلك ترى أي حوار غربي معها، لكي يكون مريحاً لها، يجب أن يبدأ بالاعتراف بما حقّقته من نفوذ في محيطها العربي، إذ أنها قايضت هذا النفوذ لقاء وقف برنامجها النووي. الثاني أن أزمتها الاقتصادية، حتى مع وجود حراك شعبي، لا يمكن أن تكون دافعاً للتخلّي عن تدخّلاتها وتوسّعاتها الخارجية. والثالث أن تأثير «الحلفاء» الدوليين، مثل روسيا والصين، في قراراتها أقلّ من تأثيره في قرارات كوريا الشمالية، فالأخيرة لا تستطيع إغضاب الصين في أي حال.

بمقدار ما تبدو بيونج يانج جدّية في طلب لقاء ترامب – كيم ليكون الحوار مجدياً ومختصِراً للعقبات، إذ أنه يُضفي نوعاً من «الشرعية» الدولية على كيم ودولته المارقة، بالمقدار نفسه ترغب طهران في أن يزورها إيمانويل ماكرون لا لأن لديها مبادرة سياسية تريد إهداءها إليه، بل لأنها تريد استغلال زيارته لتبرهن أنها دولة «طبيعية» يمكن أن تُزار، وأن نظامها بات موضع قبول من جانب دولة غربية كانت الأكثر تشدّداً خلال المفاوضات النووية. أكثر من ذلك ستحاول طهران الإيحاء بأن تكتيكاتها يمكن أن توسّع الهوّة بين ترامب والأوروبيين المعارضين جميعاً لأي مسٍّ بالاتفاق النووي وإن كانوا يشاطرون البيت الأبيض مآخذه على هذا الاتفاق، وأهمها برنامج الصواريخ الباليستية الذي تعتبره إيران غير قابل للتفاوض. وبدل أن تنتهز طهران وجود «لودريان» في ضيافتها لطرح أفكار تشجّع الأوروبيين على «الممانعة» إزاء الضغوط الأميركية، فإنها انتهزته على العكس لتقول إن في إمكانها استئناف إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب خلال يومين، وأنها ضاعفت تطوير برنامجها الصاروخي.

لا يزال الحوار الأميركي – الكوري الشمالي مجرّد فكرة، لكن أي سيناريو لتحقّقه ينطوي على ملامح مصلحية للطرفَين، خصوصاً إذا انطلقا من مراهنة على الوقت وعلى التقدم المحرز في تنفيذ أي اتفاقات محتملة، ذاك أن التباعد الأيديولوجي الشاسع بينهما لا يمنع تفعيل البراجماتية، ففي نهاية المطاف لا أحد يريد مواجهة نووية، فلا الولايات المتحدة تستطيع ابتلاع كوريا الشمالية، ولا الأخيرة تستطيع اعتبار تسلّحها النووي حلّاً لكل مشاكلها. ربما يدين النظامان الكوري الشمالي والإيراني للتصلّب الأيديولوجي بوجودهما واستمرارهما، لكن الوقائع تثبت أن ثمن الحفاظ على هذا التصلّب بات باهظاً جدّاً من دون أن يضمن الحفاظ على النظام. هذا ما يبدو الآن من الحال الإيرانية، إذ تعتقد طهران أن سياساتها المتعنتة والعصيّة على الترويض أو التغيير هي التي تجتذب فرنسا وألمانيا وغيرهما، ولا بدّ أن تأتيها بالولايات المتحدة صاغرة مستسلمة. لكن أي دولة تحاول تجربة حظّها بالتحاور مع إيران لن تلبث أن تخرج بالانطباع نفسه، وهو أن التصلّب قناع للخوف على النظام، وبالتالي فلا فائدة من أي حوار معها.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com