ثورة الياسمين تبلغ سن السابعة! – إرم نيوز‬‎

ثورة الياسمين تبلغ سن السابعة!

ثورة الياسمين تبلغ سن السابعة!

سليمان جودة

ثلاث ملاحظات أساسية لا تفوت المتابع المُدقق في الاحتجاجات الشعبية العنيفة، التي صاحبت احتفال تونس بالذكرى السابعة لثورة الياسمين!

الأولى، أن الحكومة التونسية برئاسة يوسف الشاهد، أعلنت عن قرارات اجتماعية لتهدئة الشارع، لكنها كانت حريصة عند إعلانها، على أن تؤكد أن القرارات ليست استجابة للاحتجاجات، وإنما هي نتيجة دراسة في اتجاه تقديم مساعدات للأسر الفقيرة ولمحدودي الدخل، بدأت منذ أشهر عدة!

والثانية، أن راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الإسلامية، أعلن أن المحتجين إذا كانوا يريدون إسقاط قانون المالية الجديد، فإسقاطه عبر الاحتجاجات العنيفة عمل فوضوي!

والثالثة، أن الاحتجاجات الشعبية التي امتدت لعدد من المدن التونسية، بدت في زاوية من زاوياها، وكأنها حنين شعبي من نوع ما، إلى أيام الرئيس زين العابدين بن علي الذي أطاحت به الثورة!

وتظل كل ملاحظة من الملاحظات الثلاث، في حاجة إلى قدر من الشرح يضيء جوانب منها، تبدو غير مفهومة للمراقب الذي يتابع ملامح الصورة من بعيد!

وأنا بالطبع أصدق حكومة الشاهد، عندما تقول إن قرارات التهدئة ليست استجابة، بقدر ما هي ثمرة لدراسة سابقة على ذكرى الثورة، وعلى الاحتجاجات نفسها… أصدّق هذا منها، ولكني في الوقت ذاته، تمنيت لو أن الحكومة أعلنت أن قراراتها هي من قبيل التجاوب مع الذين خرجوا محتجين، ومع مطالب لهم أعلنوها ورفعوها عبر لافتات من شارع إلى شارع، ومن مدينة إلى مدينة!

لا أتهم حكومة الشاهد بشيء… لكني أتهم حكومات عربية أخرى، بأنها تجد في استجابتها لمطالب الشارع، انتقاصاً من قدرها، واعتداءً على هيبتها، وتراجعاً من جانبها أمام رغبات مشروعة لمواطنيها، وتستنكف أن تظهر في صورة السلطة التي تتخلى عن مظاهر القوة، وتتحلى بفضيلة الرجوع إلى الحق، الذي يبقى في كل حالاته، أفضل من التمادي في الباطل!
إنني أذكر أن الرئيس حسني مبارك كان في عام 1989، قد أقال وزيراً من أشهر وزراء داخلية مصر، وكانت إقالة الوزير قد جاءت بعد حملة صحافية قوية ضده، ثم بعد أدلة على أشياء تُدينه جرى نشرها على أوسع نطاق، في اليوم السابق مباشرة لصدور قرار الإقالة!
غير أن اللافت جداً في الموضوع، أن مبارك وهو يعلق بعدها بأيام على قراره، قد حرص على أن يشير بما لا يدع مجالاً لأي ظن، إلى أن القرار قد صدر لأسباب أخرى، ليس من بينها الحملة الصحافية التي كانت قد انطلقت بشدة ضد الوزير، ولا من بينها ما تم نشره ضده من أشياء كان من الضروري معها اتخاذ إجراء سريع إزاءه، ممن في يده الأمر!
ولا أحد يعرف طبعاً، كيف كان مبارك يفكر وقت أن فاجأ المصريين بما قاله، ولكن من السهل التخمين بأنه، مع ما عُرف عنه من عناد، كان يحب أن يفهم رعاياه، أن القرار عنده يصدر لحسابات يراها هو، بصفته حاكماً، لا لأسباب تتصل بمطالب يتبناها الرأي العام بقطاعاته العريضة!
ومن الطريف في ذلك الوقت، أن الدكتور سعد الدين إبراهيم قد استفزه ما قاله الرئيس، فكتب مقالاً يقول فيه ما معناه، أن الدولة إذا كانت لا تقيل وزراءها بناءً على هجوم عليهم في وسائل الإعلام، فإنه ينصح الصحافة بأن تمتدح الوزير الذي تتمنى إقالته!
وكان الرجل يسخر طبعاً!
وأعرف أنه تلقى بعدها ما يشبه التعنيف من مكتب الرئيس الأسبق!
ثم أعرف أن الحكومات التي تتعامل بهذا الأسلوب مع شعوبها، لديها عذر مفهوم، هو خشيتها من أن تؤدي استجابتها للمطالب الشعبية، خصوصاً في أوقات الاحتجاجات والأزمات، إلى نوع من الابتزاز السياسي لها من الشعوب لا ينتهي، بحيث تجد نفسها أمام مطلب جديد، كلما استجابت لمطلب قديم… ولا بد أنه عُذر منطقي، لكنه مردود عليه بأن المطالب الشعبية فيها دائماً ما هو معقول، يمكن التجاوب معه بسهولة، ودون حرج، وبما يضيف لرصيد الحكومة التي استجابت، ثم فيها ما هو غير معقول في المقابل، وما تستطيع أي حكومة معه، أن ترفضه، وألا تجد حرجاً في إعلان رفضها على الملأ بشجاعة!
ومن هذه إلى الغنوشي الذي رأى في رفض قانون المالية الجديد بالطريقة التي جرت، دعوة إلى الفوضى… فالراجح أن هذه الاحتجاجات نفسها لو جاءت قبل سبع سنوات من الآن، ولو كانت بهذه الحدة نفسها ضد بن علي في وقته، لكان لرئيس حركة النهضة فيها رأي آخر، ولكان قد وقف في صفها، ولكان قد دعمها، ليس لأني أراه من دُعاة الفوضى، لا سمح الله، ولكن لأن الواضح مما قاله الرجل، أن أحداث سبع سنوات من الربيع العربي، الذي لم يكن ربيعاً بأي مقياس، قد أضافت إلى عقله، الكثير من الحكمة، والكثير من القدرة على وضع الأمور في سياقها، والكثير من القدرة كذلك على حُسن قراءة المشهد العام من حوله، في بلده، وفي المنطقة، وفي العالم!
فالحركة شريك في الحكم، مع حزب نداء تونس الذي يرأسه الرئيس الباجي قائد السبسي، وهذه الشراكة قد مكّنتها من رؤية زوايا الصورة كلها، ومن الذهاب إلى درجة من الواقعية السياسية الواضحة، في التفاعل مع كل طارئ على الواقع الذي يعيشه الناس في تونس!
أما الحنين الذي يلوح من وراء مشهد الاحتجاجات، إلى أيام بن علي، فهو يجدد طرح هذا السؤال: أيهما أسبق في حياة الشعوب، الاقتصادي أم السياسي؟!… لقد عاشت تونس أياماً من التضييق على الحريات العامة فيما قبل الثورة، ولكن الاقتصاد بالتوازي كان يعيش أوضاعاً أفضل، ولم يكن المواطنون التوانسة في عمومهم، يعرفون متاعب الحياة المادية التي يعرفونها هذه الأيام، ويعرفون معها درجة من الإتاحة في الحريات، لم تكن قائمة في السابق!… فأيهما أسبق في حياة الشعوب على العموم؟!
هي قضية قديمة، ولكنها متجددة، وإثارتها في تونس على الصورة البادية أمامنا تقول، إنه لا غنى عن المسارين في حياة كل شعب، بالتوازي، غير أن الحديث عن الحرية في زمن المعاناة الحياتية، حديث لا يصادف في الغالب آذاناً تسمعه.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com