هل ما زالت فلسطين القضية الأولى؟

هل ما زالت فلسطين القضية الأولى؟

زياد الدريس

أثار قرار الرئيس الأميركي ترامب، جعْل القدس عاصمة لإسرائيل، موجة غضب عارمة في الشارعَين العربي والإسلامي، بل وفي غيرهما. وهو أمر ليس بالجديد أمام كل قرار أميركي يخدش كرامة فلسطين وينحاز لإسرائيل، لكن الجديد في موجة الغضب هذه المرة أنها لم تكن موجهة من العرب إلى المسؤول الأميركي، بل من العرب إلى العرب، إذ انشغلوا عن لوم المذنب بالتلاوم في ما بينهم!

تحوُّل اتجاهات الغضب وتبعثرها لم يأتيا هكذا من فراغ، ولم يكونا مفاجئين لمتابعي التطورات الأخيرة للخطاب الثقافي (الشعبي لا النخبوي) تجاه (القضية الأولى) تاريخياً، بل كانت لهما ممهّدات سابقة، ربما اعتمد ترامب عليها في عزمه على إعلان القرار المخيف للرؤساء السابقين له.

بدأ التلاسن العربي عندما انطلق الفلسطينيون في إلقاء اللوم، في شأن قرار ترامب، على الدول العربية والحكومات العربية أكثر من لومهم الحكومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني المنقسم إلى فصائل متناحرة، بعضها يدين لإسرائيل بالولاء أكثر من ولائه لوطنه الفلسطيني!

رَمْي الفلسطينيين اللوم عن كاهلهم إلى كاهل غيرهم ليس جديداً، فقد حدث كثيراً قبل ذلك، لكن هذه المرة يوجد متغيّر جديد أوقف عملية التغاضي عن الحيف الفلسطيني، إذ تعالى، كما أشرت مسبقاً، صوت ثقافي/ شعبي يتحفظ على أن فلسطين هي القضية الأولى له، أو حتى الثانية أو الثالثة. هذا التيار الجديد، إن صحّ وصفه بتيار، يسفّه أي قضية أممية (إسلامية) أو قومية (عربية) باعتبار أنه لا يريد الانشغال بأي قضايا أخرى غير قضاياه الوطنية فقط، ظناً منه بأنه يستطيع حقاً أن ينعزل عن المحيط الملتهب والتكوينات المعقدة بجواره. تضافَرَ هذا الموقف السلبي من قضية فلسطين مع المفهوم الملتبس عند أولئك بين فلسطين (المقدّسة) والفلسطينيين (غير المقدّسين)، وأن غضبنا على الفلسطينيين واستياءنا من بعض مواقفهم غير المنصفة لا يبرران لنا التخلي عن نصرة فلسطين والغضب للقدس.

لحسن الحظ، أن هذا الارتخاء الشعبي (جزئياً) لا يقابله ارتخاء رسمي، فخطاب الدولة ما زال يؤكد أن فلسطين هي (القضية الأولى)، تم هذا التأكيد عقب قرار ترامب من أعلى المستويات، وطنياً عبر القيادات السياسية، وإقليمياً عبر بيان وزراء الخارجية العرب. لكن، لا يمكن إهمال أهمية وقيمة الموقف الشعبي وضرورة حمايته من الانزلاق خلف خطاب شعوبي بات يزدري بكل ما هو عربي!

وختاماً، ففي حين ظلّت القضية الفلسطينية أكبر ساحات المزايدة في العالمين العربي والإسلامي، يدغدغ بها الرؤساء المحبّون الكرسيَّ مشاعر الجماهير المحبّة القدسَ، فإن لغة الأرقام أصدق من لغة الخطب الرنانة، إذ تؤكد البيانات الصادرة عن الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها أن المملكة العربية السعودية هي الدولة العربية والإسلامية الأولى في دعم فلسطين منذ احتلالها حتى اليوم.

محاولة بعض الفلسطينيين، من ذوي الأجندات الخفية، النكران والجحود لهذه الحقيقة تفتح الباب ذريعةً لبعض (المثقفين) الذين لا تمثل لهم فلسطين أولوية والقدس أهمية.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com