البيت الأبيض والاستثمار في الهزيمة العربية

البيت الأبيض والاستثمار في الهزيمة العربية

موسى برهومة

يستثمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الهزيمة العربية عند تنفيذه وعده أو «وعيده» بنقل سفارة بلاده إلى القدس باعتبارها عاصمة إسرائيل، وهو قرار اتخذ قبل أكثر من عقدين، ولم يقو رئيس خلال تلك الفترة على تنفيذه لجملة أسباب.

أول تلك الأسباب، وهو أكثرها منطقية، أنّ مثل هذا الاعتراف يتعين أن يأتي في إطار حل سياسي نهائي للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يقبل به الطرفان. وثاني الأسباب، وهو سبب متآكل إلى حد التهرّؤ، ويتصل باحتمالات الرفض العربي والإسلامي لقرار كهذا، وما يولده من «غضب» ليس في مِكنة الولايات المتحدة توقع حدوده ومآلاته. وربما يكون أقل الأسباب أهمية إدراك الرؤساء الأميركيين السابقين أنّ قادة إسرائيل لا يقدمون ما من شأنه المغامرة بهذا القرار إرضاءً لعنجهيتهم وغطرستهم وإعتداءاتهم المتواصلة المنافية لقواعد السلام والإنسانية.

ترامب، ببلاهته السياسية، ألقى بكل هذه الأسباب وراءه ومضى إلى آخر الشوط، واضعاً أقصى الاحتمالات الممكنة: غضب شعبي، وحرق لصوره وأعلام الولايات المتحدة، ووصفها بالشيطان، وتنديد رسمي، ومقاطعة موقتة من حلفاء أميركا التقليديين، وزعل لا يطول كثيراً من قادة أوروبا الذين لا يتركون مناسبة، صغيرة أو كبيرة، إلا ويتودّدون خلالها لإسرائيل ولنظامها العنصري.

ترامب الذي لم يحمل السلاح في حياته إلا للتمثيل، ربما، يظهر كمحارب من أجل إسرائيل. وكذلك فعل نائبه مايك بنس الذي لم يبق، أمامه وهو يلقي كلمته الممجّدة لإسرائيل، سوى أن يذرف دموع الفرح بهذا القرار «التاريخي» كما وصفه بنيامين نتانياهو الذي قال: «إن القدس تمثل محور آمالنا وأحلامنا وصلواتنا خلال 3 آلاف سنة».

وبجردة حساب متوقعة لنتائج المغامرة الحمقاء للرئيس الأميركي، يمكن قياس ارتفاع منسوب الكراهية للولايات المتحدة في المجتمعات العربية على وجه الخصوص، وكذلك المجتمعات الإسلامية التي ما زال المقدّس يفعل فعله في عقولها ووجدانها. لذا، فإنّ متوالية العنف والتطرف والعمليات الانتحارية وحرب المفخخات ستزداد مع قرار ترامب، بل إنّ بعض العقلاء ربما يقف إزاء عمليات من هذا القبيل موقف المحايد، بعد أن كان يستنكرها، لأنّ الجنون إذ يغمر الكون يجعل العقلَ إثماً، والمنطق فضيحة! فأي سلام مفخخ يعد به ترامب الفلسطينيين الذين لم يبق بيت من بيوتهم إلا وفيه شهيد أو أسير أو جريح، وصارت الحياة في نظرهم سلسلة طويلة من العبث والتراجيديا، وانعدام اليقين بقدرة العالم على إنصافهم، بل وقدرة أنفسهم على إنصاف الذات الوطنية المشروخة وترميمها؟

سيذهب المحتجون عما قليل إلى النوم، وسيزاولون حياتهم التي لا تشبه الحياة، وسيعضّون على الجراح، وهم يرون المستقبل مسيّجاً بالمخاوف والأكاذيب. انتزعت منهم الأوطان، والآن مطلوب انتزاع كرامتهم ووسمهم بالعار الأبدي إن ظلوا صامتين.

وسيذهب السياسيون إلى ترتيب مواعيد اليوم التالي، فاللقمة العالقة في البلعوم ابتُلعت من دون أضرار فادحة بالأمعاء. وما كان محرّماً أصبح أقرب إلى «الحلال السياسي»، فاللعبة تقتضي تنازلات، والخشية أن تكون من طرف واحد!

الضحايا سيعتصمون بالانفجار، وسيؤثثون عصر الغضب، وينجبون أزمات وبراكين تفخّخ الحياة والسكينة، وتضرم النار بالأمل!

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com