روحاني من «العواصم الأربع» إلى شمال أفريقيا

روحاني من «العواصم الأربع» إلى شمال أفريقيا

عبدالوهاب بدرخان

لم يعد هناك أي وجود ولو وهمي لجناح «حمائم» في النظام الإيراني، بعدما رفض الرئيس حسن روحاني أخيراً ما سمّاه «انقسامات بين المسؤولين» معتبراً أن «التعرّض لجانب» من النظام السياسي لا يعزّز فرعاً آخر منه بل «على العكس سينهار نظام الحكم كلّه عندئذ». كان يردّ على استهداف الولايات المتحدة «الحرس الثوري» سواء بفرض عقوبات مركّزة على هيئات تتعامل معه أو بالإشارة إلى نشاطه خارج إيران. لم يكن تمييز روحاني عن «المتشدّدين» سوى رغبة إعلامية خارجية في تشجيع «المعتدلين»، إنْ وُجدوا، وعلى أمل أن يشقّوا طريقاً عقلانياً داخل النظام، لكن روحاني مسح الانتقادات التي كان وجّهها لـ «الحرس» خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، إذ كان حمّل «الحرس» مسؤولية تردّي الاقتصاد لأنه «يرهب المستثمرين» وقال إن «الاقتصاد والسلاح والإعلام تحت رحمة العسكر، ولا يستطيع أحد منافستهم».

بين الحين والآخر كانت تتسرّب آراء منسوبة إلى روحاني وأوساطه، وفيها نقدٌ لأدوار إيران في الخارج، تحديداً في سوريا. وإذا بالرجل الذي قيل إنه انزعج من تصريح مستشاره علي يونسي بأن إيران أصبحت «إمبراطورية عاصمتها بغداد»، وتسيطر على أربع عواصم عربية، يستعيد ما قاله مستشاره حين تساءل في خطاب قبل أيام: «هل يمكن اتخاذ قرار حاسم في العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا والخليج من دون أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار؟». وجاء تساؤله بعدما طالب وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بانسحاب «المقاتلين الأجانب من العراق» خصوصاً «الميليشيات الإيرانية، بما أن المعركة ضد تنظيم (داعش) شارفت على نهايتها». واختار رئيس الوزراء العراقي أن يبدو كأن «الحشد الشعبي» العراقي هو المعنيّ فانطلق يدافع عنه بأن جميع منتسبيه عراقيون وأنه «شرعي» وبإمرة الحكومة وأنه قاتل ضد «داعش» وقدّم تضحيات… ولم يردّ على روحاني، وحتى كلامه المكرّر عن «الحشد» لم يقنع أحداً بأنه مستقلّ عن الهيمنة والإمرة الإيرانيين. لكن لحيدر العبادي حسابات داخلية خاصة تمنعه من الانزلاق إلى مشكلة مع «الحشد» أو مع إيران.

في أي حال، أصبح المطلب الأميركي المتعلّق بالوجود العسكري الإيراني في العراق علنيّاً، كذلك المأخذ على تبعية معظم «الحشد» للإيرانيين، بل الأهم أن معالجة هاتين المعضلتَين باتت من استحقاقات المرحلة المقبلة في العراق بغية تعزيز حكومة بغداد والجيش الوطني التابع لها. ورغم أنه لم يكن متوقّعاً أن يصدر أي ردّ من نظام دمشق على كلام روحاني، إلا أن واشنطن أوضحت في مجمل تنسيقاتها وتفاهماتها مع موسكو أنها لا يمكن أن تدعم حلّاً للأزمة يتضمن بقاء النظام ورئيسه إلى جانب الميليشيات الإيرانية. أما بالنسبة إلى لبنان، فإن ردّ عدد من السياسيين على روحاني فضلاً عن رئيس الحكومة سعد الحريري الذي قال، إن «لبنان دولة عربية مستقلة لن تقبل بأي وصاية وترفض التطاول على كرامتها»، عبّر عن وضع غير محسوم إيرانياً رغم الإرهاب الداخلي والاغتيالات التي ارتكبها «حزب الله»… والمؤكّد أن طهران لم تستطع أن تثبت أنها عنصر استقرار لمنطقة الخليج العربي، ورغم التوتير الطائفي المفتعل والدعم التخريبي لـ«الحوثيين» في اليمن، فإنها لن تستطيع فرض إرادتها أياً تكن الظروف. لكن ماذا عن شمال أفريقيا؟

لعلّها المرّة الأولى التي يشير فيها مسؤول إيراني إلى نفوذ لدولته يتحكّم بالقرارات الحاسمة في شمال أفريقيا، وقد يعتقد البعض أن روحاني أضافها من قبيل المبالغة خصوصاً أن دول تلك المنطقة لم تتهم إيران صراحةً بأنشطة تؤثّر في خياراتها السياسية أو الأمنية. ولم تقلق العواصم الغربية سابقاً من ظواهر التشيّع المموّل ولا العلاقات الإيرانية مع أفراد ناشطين في المجتمع المدني، لأن انعكاساتها بقيت محدودة، إلا أنها سجّلت أخيراً مؤشرات متزايدة إلى أدوار إيرانية مواكبة لحركة الشبكات الإرهابية المرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«أنصار الشريعة» في ليبيا وجنوبها، وانطلاقاً منهما في مالي والنيجر والدول المجاورة. لذلك بدأت تلحّ على العواصم الصديقة لتضاعف اهتمامها باستغلال طهران للخلل في ضبط الحدود، وبارتباطاتها مع جماعات قادرة مثلاً على إدامة التأزيم في ليبيا أو محاولة اختراق الأراضي التونسية. وبعد عملية الواحات في مصر أصبح التقارب والتعاون بين الإيرانيين وجماعة «الإخوان» جديراً بمراقبة أكثر صرامة. ويبدو أن عدم توفّر بيئات مذهبية جاهزة في المنطقة حال دون اعتماد الإيرانيين على خبرة «حزب الله» في إنشاء ميليشيات عقائدية محلية، خصوصاً أن وجود أنشطة مزمنة أو مستجدّة للشبكات الإرهابية يفي آنياً بالمطلوب.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com