أهمية الرفق في الإصلاح

أهمية الرفق في الإصلاح

تعليم الناس وتذكيرهم بأمر ما وإن كان من الحق والخير يستدعي أن يكون بالرفق والطرق والأقوال الحسنة التي تهش لها النفوس، وهذا ما كان عليه هدي رسول الله.

الإنسان في مختلف مستوياته ومراتبه العلمية والاجتماعية بحاجة إلى تربية وإصلاح، وبحاجة للتذكير وتوجيه الأفكار والعواطف والسلوك، لأنه بشر يحمل استعداداً للخير والشر، وللفضيلة والرذيلة، ويتأثر بالعوامل الخارجية والمغريات والمثيرات، فضلاً عن وسوسة النفس والشيطان.

والتربية والإصلاح مسؤولية كبيرة، لأنها ليست مجرد ألفاظ تُردد أو كلام يُقال، وليست مجرد أوامر ونواهٍ، وإنما هي عملية تغيير حقيقية لما بنفس الإنسان، وهو ما يعيد تشكيل مقاصده ونوايا أعماله، ولهذا لا بد أن يتصرف المربي أو المصلح بصفات وخصائص تؤهله للقيام بمسؤولية الإصلاح في جميع المراحل وجميع الظروف والأحوال، ومن هذه الخصائص التي يحسن أن يتصف بها المربي الرفق مع من يريد إصلاحهم.

والرفق صفة ضرورية ينبغي التحلي بها والتعود على ممارستها واكتسابها وترسيخها، لأن الإنسان يأنس بآرائه وأفكاره ومواقفه وأفعاله، ويتمكن ذلك الحال منه حتى تصبح تلك الحال صفته الملازمة وبصمة كيانه، وقد يرى فيها كرامته وكبرياءه، ولا يتنازل أو يتراجع عنها لأنه يرى أن في ذلك تنازلاً عن كرامته وكيانه الذي ألفه، والرفق أهم السبل والوسائل التي تجعل الإنسان يقبل أن يتنازل عن آرائه ومواقفه وأفعاله الخاطئة ويحرص على تغييرها حسب ما اقتنع به من موعظة وإرشادات وتوجيهات من المربي أو المصلح أو الناصح.

وقد صح عن عائشة عن رسول الله قوله: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله".. وما ذلك إلا لأن مقتضى النصيحة أن تؤدى بالرحمة والرفق، فالرفق محبب للنفوس، فالنفوس كالحصون المغلقة، والرفق من المفاتيح التي تفتح بها النفوس فتقبل على الخير وتستجيب له، وهو من الحكمة التي أمرنا بها وعمل بها الرسل، وهو وسيلة عظيمة لتغيير الأفكار والمفاهيم والأفعال والدعوة إلى الحق.

قال تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك"، وحينما أمر الله موسى وهارون بدعوة فرعون أرشدهما تعالى بقوله: "اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى". وصح عن رسول الله من قوله في تعليم أصحابه قوله: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفّروا".

المربي والمصلح يجب أن يتحلى بالرفق واللين والرحمة والحرص على بلوغ نصحه للآخرين بأسباب قبول الآخرين لنصحه، فذلك من الحكمة التي أمر الله بها.

فتعليم الناس وتذكيرهم بأمر ما وإن كان من الحق والخير يستدعي أن يكون بالرفق والطرق والأقوال الحسنة التي تهش لها النفوس، وهذا ما كان عليه هدي رسول الله.. والتنفير والفظاظة والغلظة في دعوة الناس وإصلاح الخلل ليست مما أمر به الله وليست هدي رسول الله، بل هي مما نهى عنه، والواجب الرفق والترغيب والتبشير برحمة الله وغفرانه أكثر من الحديث عن عقوبته وغضبه، لكي لا يدب اليأس والقنوط في نفوس من اذنب وعصى.

وهكذا المربي والمصلح، يجب أن يتحلى بالرفق واللين والرحمة والحرص على بلوغ نصحه للآخرين بأسباب قبول الآخرين لنصحه، فذلك من الحكمة التي أمر الله بها، ومن الحكمة أن يجتنب الناصح كل أسباب رفض الحق والعناد، كتشخيص المذنبين أمام الآخرين بشكل مباشر أو غير مباشر؛ فقد كان رسول الله إذا أراد أن ينصح في العلن يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا".

ومن مصاديق الرفق البشاشة وطلاقة الوجه وحسن الظن والألفاظ، فكل هذا يساهم في قبول الحق ومحبته والاستجابة للتغيير من خلال امتلاك عواطف الآخرين ومشاعرهم وتوجيهها توجيهاٌ سليماً، لأن الناس غالباً ما يتأثرون بالأشخاص قبل التأثر بالمفاهيم والأفكار والأقوال النظرية.

كما أن من مصادق الرفق مداراة الناس ومراعاة قدراتهم العقلية والعلمية، والتدرج في تعليمهم، وإصلاح أمورهم، ومخاطبة الناس على قدر أفهامهم، وتجنب الإطالة المملة، ومراعاة جوانب الضعف البشري في الخلق، وتجنب مقابلة الجفاء والغلظة بمثلها، بل يقابل الناصح ذلك بالعفو والصفح والصبر تقربا لله وطمعا في فضله، وذلك من طرق تعزيز الخير وإصلاح المعاند والمكابر حتى وإن كان عدواً يتعمد الإيذاء والإساءة..

قال تعالى كظاهرة: "ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير". وقال تعالى: "لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور". وقال تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ۚ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".

أخبار ذات صلة
الحرية في الإسلام

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابيٌّ فبال في المسجد فتناولَه النَّاسُ، فقال لهم النبي: "دَعُوه وَهَرِيقُوا على بوله سَجْلاً من ماء - أو: ذَنُوباً من ماء - فإنما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين، ولم تُبْعَثوا مُعَسِّرين".. أخرجه البخاري..

فكيف إذا كان المعني بذلك من ذوي الإنسان أو أهله وعشيرته وقرابته، فقد يبتلى الإنسان بذلك وهم أحق وأحوج بالرفق وألا يلجأ معهم للغلظة والقسوة والفظاظة، كما قال تعالى في حق الوالدين: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون"، وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم". 

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com