مطبات تواجه الصفقة النووية بين إيران وأمريكا

مطبات تواجه الصفقة النووية بين إيران وأمريكا

المصدر: إرم - (خاص) من منار الرشواني

بلغت الجولة الأخيرة من المفاوضات بين إيران ومجموعة ”5+1“ أشد درجات الخلاف بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وفي مقاله المنشور في مجلة ”ناشيونال إنترست“ الأمريكية، بتاريخ 1 حزيران / يونيو الحالي، يذهب علي رضا نادر؛ أحد كبار محللي السياسة الدولية في مؤسسة ”راند“، التي تتولى تقديم التحليلات والأبحاث للقوات المسلحة الأمريكية، إلى أن التشدد الإيراني الحالي قد يكون باعثه السعي إلى تحصيل ما يزيد قليلاً عما تريده الولايات المتحدة والتي لن تسمح باحتفاظ إيران بكامل قدراتها النووية. فيما سيكون الخيار البديل هو إفشال الصفقة كلياً.

”الشفافية“ في مواجهة ”التقليص“.

مع إبرام اتفاق ”خطة العمل المشتركة“، في تشرين الثاني / نوفمبر 2013، بين إيران وما يعرف بجموعة ”5+1“ (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي إضافة إلى ألمانيا)، انطلق برنامج للمفاوضات يهدف إلى توصل الطرفين إلى صفقة نهائية، يؤمل أن تكون دائمة. منذ ذلك الوقت، شهد مسار المفاوضات العديد من التطورات الإيجابية، فقد جمدت خطة العمل المشتركة أنشطة إيران النووية مقابل تخفيف محدود للعقوبات المفروضة عليها؛ كما مضت المفاوضات بشكل سريع.

وفيما ترغب فعلاً كلٌّ من إدارة الرئيس باراك أوباما وحكومة الرئيس الإيراني المنتخب حديثاً حسن روحاني في التوصل إلى صفقة، تشير تقارير حديثة إلى تباينات كبيرة بين إيران والمجموعة.

ببساطة، تبدو إيران تواقة للحفاظ على الكثير من بنيتها التحتية النووية في مقابل استعدادها لمزيد من ”الشفافية“؛ فيما تريد الولايات المتحدة تقليصاً كبيراً لبرنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني.

ورغم توقع أغلب المراقبين اعتراض مطبات لمسار المفاوضات، إلا أن الخلافات الأخيرة قد تكون الأكثر خطورة ضمن ما ظهر من خلافات منذ توقيع اتفاق خطة العمل المشتركة.

لكن، كيف تبدو خطورة الاختلافات الأخيرة؟ هل تعبر عن تعنت الحكومة الإيرانية، أم أن هدفها حصول إيران على أقصى ما تستطيع من المفاوضات؟

إذا كان بمقدو شخص التفاوض لإيجاد مخرج من مأزق إيران النووي، فإن هذا الشخص هو حسن روحاني. فإضافة إلى أنه جزء لا يتجزأ من المؤسسة السياسية، يعد روحاني لبقاً براغماتياً، ويمكن اعتباره الخبير الأهم في المفاوضات النووية، وهو الذي شغل منصب كبير المفاوضين الإيرانيين خلال الفترة 2003-2005.

الرهان الأسلم.. وليس الأسهل

يلتقي هدف روحاني المتمثل في تحسين الاقتصاد الإيراني مع رغبة الرئيس أوباما في وقف وتقليص برنامج إيران النووي. وفيما قد يريد الرجلان تحسناً حقيقياً في العلاقات بين بلديهما، إلا أنه لا تنقصهما الواقعية لمعرفة أن القيود الداخلية (الكونغرس الأمريكي، والإيرانيون المحافظون) والاختلافات بشأن قضايا عالمية (معارضة إيران لإسرائيل ودعمها للنظام السوري، والشكوك الإسرائيلية والسعودية تجاه إيران) قد تعيق تقارباً جدياً بين البلدين.

لربما يكون صعباً التوصل إلى اتفاقية نووية، إلا أنها ما تزال الرهان الأسلم. مع ذلك، فإن تحقيق ذلك ليس بيد روحاني وأوباما وحدهما.

فقد يكون رجل الدين الوسطي هو رئيس إيران، إلا أنه بالكاد الشخص الذي يمتلك القرار النهائي. وفيما حازت مفاوضاته دعم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ومؤسسة المحافظين، إلا أن الضغط عليه يتزايد يوماً بعد يوم لـ ”حماية“ مصالح إيران القومية.

وبحسب المعلومات التي يتم تناقلها، تطالب إيران بالحفاظ على أجهزة الطرد المركزي التي تمتلكها حالياً، والبالغ عددها 9 آلاف جهاز، مع حقها في رفع هذه العدد إلى 50 ألف جهاز. وقد حدد مسؤولون سابقون في إدارة الرئيس أوباما، من قبيل روبرت إينهورن وغاري سامور، نقطة الالتقاء الوسط بين إيران ومجموعة ”5+1“ بقرابة 3 آلاف جهاز طرد مركزي. وهناك قضايا أخرى ذات تأثير، تشمل مصير مفاعل ”آراك“ للماء الثقيل، وقبول إيران لمزيد من عمليات التفتيش المفاجئة. لكنها قضايا قابلة نسبياً للتوصل إلى حل بشأنها.

فيما يعد برنامج تخصيب اليورانيوم، الذي يحتل مركز القلب من المفاوضات، مبعث فخر الجمهورية الإسلامية، فإن هذا البرنامج يشكل مصدر قلق عميق للولايات المتحدة وشركائها. لكن، هل روحاني جاد فعلاً بشأن الحفاظ على الكثير من أجهزة الطرد المركزي؟ وهل يتوقع التوصل إلى صفقة استناداً إلى هذا الموقف؟

وهم ”اقتصاد المقاومة“

لقد عبر روحاني مراراً عن دعمه لما تسميه إيران ”حقها“ في تخصيب اليورانيوم. لكن، لا يبدو واضحاً أنه سيضحي بتخفيف العقوبات لأجل التمسك بهذا العدد الكبير من أجهزة الطرد المركزي، وبما قد يؤدي إلى منع التوصل إلى صفقة. كما أن ذلك لا ينطوي فقط على تهديد لأجندته المعتدلة على صعيد السياسة الخارجية وخططه الاقتصادية الطموحة، بل ايضاً إصابة فترته الرئاسية كلها بالعطب.

ربما يكون روحاني عرضة بالفعل لضغوط شديدة من خامنئي ومؤسسة المحافظين، وهو يتصرف كرد فعل على ذلك. وقد تعهد في مقابلة تلفزيونية مؤخراً بعدم قبول ”أبرتهايد نووي“ يفرضه الغرب على إيران. وبدلاً من وعد بتخفيض جوهري لقدرات إيران، عرض الرئيس مزيداً من ”الشفافية“. وقد عكس خطاب روحاني هذا، بطريقة ما، مطالب وأسلوب كلام وحتى نبرة خامنئي، أكثر من كونه خطاباً خاصاً بالرئيس اللطيف ومحط الإعجاب في مؤتمر ”دافوس“ حيث تعرف إليه العالم. لكن في النهاية، فإن روحاني سياسي، يتوجب عليه إبقاء المحافظين هادئين. وربما تكون طريقة حديثه واستراتيجية فريقه التفاوضية المتشددة هي نتيجة لمعطيات (إيرانية) داخلية.

أياً يكن، فإن صفقة تقبل باحتفاظ إيران بما يزيد عن بضعة آلاف من أجهزة الطرد المركزي، قد لا تكون مقبولة سياسيا في واشنطن، عدا عن كونها مرفوضة في تل أبيب. إذ يخشى الكونغرس الأمريكي والحكومة الإسرائيلية من أن صفقة غير محكمة ستسمح لإيران بالحفاظ على معظم قدراتها مع تخفيف الخناق الاقتصادي عليها، بما يمكّن طهران من حماية إمكاناتها النووية المتقدمة (9 آلاف جهاز طرد مركزي) وتطوير أسلحة نووية في الوقت المناسب لذلك. وتحتاج إدارة أوباما تعاون الكونغرس بما يشكل دعامة للصفقة. ومع أن الإدارة قد تكون متلهفة لعقد صفقة، إلا أنه ليس من المتوقع أن تقبل بواحدة تقوم على مزيد من الشفافية فحسب، من دون تقليص كبير في القدرات الإيرانية.

ربما يقدم المفاوضون الإيرانيون أقصى مطالبهم على أمل الحصول على ما يقل عن الحد الأدنى؛ 4500 بدلاً من 9 آلاف جهاز طرد مركزي. أما إن لم تكن تلك نيتهم، فمن الأفضل لهم، من ثم، أن يصبحوا واقعيين.

إن الاقتصاد الإيراني ومستقبل الجمهورية الإسلامية لن يتحسنا إلى حين رفع العقوبات الأمريكية والدولية الرئيسة. وهذه ليست معضلة تواجه حكومة روحاني وحدها، فخامنئي وحلفاؤه بحاجة إلى تخفيف العقوبات بنفس الدرجة. ورغم حديث المرشد الأعلى عن ”اقتصاد المقاومة“، إلا أن نظامه يرتكز تماماً على إيرادات النفط.

الحلقة الأضعف

قد يكون ما يزال بمقدور الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى نقطة التقاء؛ إن لم يكون بحلول الموعد المحدد في خطة العمل المشتركة، وهو 20 تموز / يوليو المقبل، فبعد ذلك ببضعة أشهر، ودبلوماسية واشنطن معدة للوصول إلى نقاط التقاء، إلا أن تحقيق ذلك هو تكتيك وليس الهدف النهائي. وستسعى الولايات المتحدة جاهدة للتوصل إلى الصفقة الأمثل لمصالحها ومصالح حلفائها. وهذا لأمر قد لا يعجب إيران، ولعل خامنئي يريد في النهاية الحفاظ على أغلب قدرات إيران الخاصة بالأسلحة النووية. لكن نظامه، وببساطة، ليس في وضع يؤهله لتقديم مثل هذه المطالب القصوى. فعلى إيران تخفيض توقعاتها إذا ما أرادت التوصل إلى صفقة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة