نظير مجلي
نظير مجلي

قرار جنيف مفرح ومحزن

رغم الفرحة التي غمرت كثيرا من الفلسطينيين إثر القرار في الأمم المتحدة إزاء الاحتلال الإسرائيلي، فإن هناك علامات سلبية كثيرة ينبغي الالتفات إليها وعدم التعاطي معها كمن يطوش على شبر ماء..

فكما هو معروف، قررت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي اللجنة الخاصة بالمسائل السياسية وإنهاء الاستعمار، اعتماد قرار السلطة الفلسطينية التوجه إلى محكمة العدل الدولية تطلب منها "فتوى قانونية ورأيا استشاريا"، بوصفها أعلى هيئة قضائية دولية، حول ماهية وجود الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرعية المحتلتين.

القرار في اللجنة الأممية اتُخذ بتأييد أكثرية ساحقة، من 88 دولة، وخلال التداول فيه، أسمع المتحدثون كلاما مهما لنصرة الشعب الفلسطيني والتعاطف مع قضيته، وبدا المندوب الإسرائيلي غلعاد أردان معزولا في دفاعه عن الاحتلال، واتهامه الفلسطينيين بالمسؤولية المطلقة عن فشل عمليات السلام.

لكن التعامل مع القرار على أنه انتصار دبلوماسي فلسطيني والخروج بتصريحات احتفالية إزاءه، يبدو مسألة مبالغا فيها جدا؛ ففي حيثيات هذا التطور توجد علامات سلبية تحتاج لوقفة، وربما تحتاج لإعادة نظر في نهج الدبلوماسية الفلسطينية في الساحة الدولية، لمزيد من الحيطة والحذر والدراسة والتعمق.

ومن الآن وحتى اجتماع الجمعية العامة في الشهر القادم، للمصادقة على هذا القرار، تحتاج القيادة الفلسطينية إلى جهد مضاعف حتى لا تزيد هذه السلبيات عن حدها.

لقد صوتت مع القرار في اللجنة 98 دولة، وهذه قوة غير قليلة، وقد تحققت بفضل وقوف جميع الدول العربية وغالبية الدول الإسلامية وعدد من الدول الحرة والصديقة مع هذا الحق، ولكن 52 دولة امتنعت عن التصويت، ولا أقل من 17 دولة صوتت ضده، وهذه أرقام كبيرة نسبيا، إذا قارناها مع السنوات، بل العقود الأخيرة..

فمن بين الدول التي صوتت ضده، إضافة الى الولايات المتحدة ومكدونيزيا، وبالإضافة الى الدول التي تقودها حكومات يمينية متطرفة مثل تشيكيا وهنغاريا وإيطاليا، توجد دول مهمة في العالم، مثل ألمانيا وأستراليا والنمسا وكندا. وبين الدول الممتنعة، تدخل جميع دول أوروبا (باستثناء إيرلندا)، وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان وتايلاند والفلبين وغانا وجورجيا وكولومبيا والإكوادور، وغيرها من الدول التي وقفت مع الحق الفلسطيني بشكل تقليدي.

قد يقول قائل إن القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة لصالح القضية الفلسطينية كثيرة، ولكنها لم تفض إلى النتيجة المرجوة بإحقاق الحق الفلسطيني.

أجل، هذا صحيح؛ فالأمم المتحدة ليست الساحة التي يمكن أن تحسم فيها القضية الفلسطينية. ومع ذلك فإنها ساحة مهمة للغاية.. والقيادة الفلسطينية تتعامل معها وبحق، على أنها إحدى أهم ساحات النضال السياسي.

وحتى إسرائيل، التي تأسست بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، ضربت حكوماتها عرض الحائط بكل القرارات الدولية، تبذل جهودا خارقة لإحداث تغيير في تصويت الدول في المؤسسات الأممية.

وحسب بيان للخارجية الإسرائيلية، فإن الدبلوماسية التي تقودها تعمل ليل نهار وعلى أعلى مستويات التمثيل، للتأثير على القرارات الدولية، ولديها رصد دائم لاتجاهات التصويت، كيف تتحسن وكيف تسوء وأين ترتفع وأين تنخفض في مستوى الخطاب تجاه السياسة الإسرائيلية. ولذا، ما من شك في أن هذه الساحة مهمة للغاية.

ولكن السؤال الذي يجب أن يشغل بالنا، هو: لماذا نلاحظ هذا الانخفاض في التأييد للحقوق الفلسطينية؟

السياسة الإسرائيلية لم تتغير ولم تتحسن، بل زادت سوءا في التعامل مع الفلسطينيين، فهي تحتل الأرض وتحاول تثبيت احتلالها عن طريق الاستيطان اليهودي القائم كله على أرض مغتصبة وتمارس نشاطات عدوانية تبطش فيها بالشعب الفلسطيني، تعتقل أطفالا ونساء ومسنين اعتقالات إدارية (من دون تهمة ولا محاكمة) وانتقامية، وتبني ميليشيات استيطانية مسلحة لتنفيذ اعتداءات بلطجية على الفلسطينيين، ولا تتورع عن اقتلاع أشجار الزيتون وتدمير آبار المياه والاعتداء على سيارات الإسعاف وطواقم الإسعاف والصحافيين.

إذن، لماذا تنجح إسرائيل في تجنيد المزيد من المؤيدين لها والمتحفظين على القرارات المناهضة لها؟

مَن يحب فلسطين ويؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، يسعى لفك اللغز حتى يعالج الخلل.

صحيح أن الولايات المتحدة تصب كل قوتها لدعم إسرائيل في الأمم المتحدة وتمارس ضغوطا على حلفائها، لكن هذا الأسلوب الأمريكي غير جديد، وصحيح أن إسرائيل باتت لاعبا مهما ومطلوبا لدعم دول تتعرض لممارسات عدائية من أعدائها وهي تطلب أجرا في التصويت في الأمم المتحدة، ولكن، هناك عنصر يتعلق بنا، الطرف الفلسطيني..

هناك مَن يضرب البريق الذي كانت تصنعه هذه القضية في عيون أحرار هذا العالم، هناك صراعات فلسطينية داخلية، وليس فقط الانقسام الخطير والأحمق، تمس بسمعة فلسطين، وتخفف من الحماس العالمي لها.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com