ناصر التميمي
ناصر التميمي

العلاقات الاقتصادية العربية الصينية.. والقمة المرتقبة

من المتوقع أن تعقد الصين والدول العربية قمة في السعودية خلال النصف الأول من الشهر القادم، وسط إمكانية قيام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة المملكة لأول مرة منذ عام 2016 أو ما يقرب من سبع سنوات.

ولعل انعقاد مثل هذه القمة في ظل التطورات الدولية الراهنة يعكس مدى المستوى المتطور الذي وصلت إليه العلاقات العربية الصينية، واستمرارية ازدهار الروابط السياسية والاقتصادية، رغم تداعيات فيروس "كوفيد-19"، والحرب في أوكرانيا، والتباطؤ الاقتصادي في الصين.

تأتي هذه القمة في الوقت الذي نسجت الصين خلال العقدين الماضيين شراكات وثيقة مع الدول العربية لتشمل ارتباطات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وحتى أمنية ودفاعية.

من وجهة النظر الصينية، المنطقة العربية ليست فقط مصدرا يمكن الاعتماد عليه لإمدادات الطاقة وسوق تصدير واسعة لمنتجاتها أو مشاريع شركاتها، ولكنها أيضا عنصر حاسم في مبادرة الحزام والطريق الطموحة التي أطلقتها بكين قبل نحو عقد، وفي لعبة التوازنات الدولية الحاصلة حاليا.

وفي المقابل، تنظر الدول العربية إلى الصين باعتبارها قوة اقتصادية عالمية لا يمكن تجاهلها من أجل ازدهارها الاقتصادي.

وإلى جانب تطوير التجارة والاستثمارات والتعاون في مجال الطاقة، استجابت دول المنطقة بحماس لمبادرة الحزام والطريق لتعزيز البنية التحتية المحلية وآفاق إحياء التجارة عبر الوطنية بين شرق وغرب آسيا، حيث وقعت 19 دولة عربية، بالإضافة إلى جامعة الدول العربية وثائق تعاون مع الصين بشأن مبادرة الحزام والطريق.

من المتوقع أن تعقد الصين والدول العربية قمة في السعودية خلال النصف الأول من الشهر القادم، وسط إمكانية قيام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة المملكة لأول مرة منذ عام 2016 أي ما يقرب من سبع سنوات.

والأهم أن الصين أيضا أصبحت شريكا مهمّا في برامج التنويع الاقتصادي التي تنتهجها دول المنطقة، والهادفة إلى تقليل الاعتماد على تصدير الطاقة والموارد الأولية، وفي التحول إلى مركز اقتصادي مهم بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن المشاريع الرئيسية لمبادرة الحزام والطريق بين الجانبين حققت تقدما مطردا، والتعاون في قطاعات مثل الاقتصاد الرقمي، وشبكات اتصالات الجيل الخامس، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء والطيران آخذ في الازدهار.

وهناك العديد من المبادرات التي قدمتها بعض الدول العربية لتأطير تعاونها مع مبادرة الحزام والطريق، مثل مشروع تطوير الجزر الخمس في الكويت، ومدينتي نيوم العالمية وجيزان الصناعية في السعودية، والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم في سلطنة عمان، ومنطقة قناة السويس الاقتصادية في مصر، ومنطقة خليفة الصناعية في أبوظبي.

إلى جانب ذلك، هناك اعتبارات جيوسياسية واستراتيجية للقوى الإقليمية العربية لتطوير علاقات أوثق مع الصين.

وهنا يمكن القول إن قرار البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي يتخذ من بكين مقرا له، بفتح أول مكتب خارجي له في أبوظبي، يعد أحدث علامة على اهتمام الصين بالمنطقة العربية والشرق الأوسط عموما منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق في عام 2013، حيث نمت مشاركة الشركات الصينية في نشاط مشاريع البنية التحتية في المنطقة بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي.

الصين أصبحت شريكا مهمّا في برامج التنويع الاقتصادي التي تنتهجها دول المنطقة، والهادفة إلى تقليل الاعتماد على تصدير الطاقة والموارد الأولية، وفي التحول إلى مركز اقتصادي مهم بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

لقد تطورت العلاقات العربية الصينية، تطورا مطًّردا، خلال العقود القليلة الماضية، حيث أصبحت الصين المشتري الرئيسي للنفط العربي، والشريك الاقتصادي الرئيسي للدول العربية، وأكبر مستثمر في المنطقة، وأكبر سوق لصادرات البتروكيماويات العربية. ومع إطلاق بكين مبادرة الحزام والطريق عام 2013، طورت الصين شراكات إستراتيجية شاملة مع 4 دول عربية وهي، السعودية، ومصر، والإمارات، والجزائر.

ويمكن القول إن هذا التطور حدث نتيجة الصعود الاقتصادي المذهل للصين على مدى العقود الثلاثة الماضية وأدى إلى زيادة حادة في طلب البلاد على منتجات الوقود الأحفوري.

في غضون ذلك، أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي، وهي أكبر مُصدر للنفط والغاز الطبيعي المسال، مركز ثقل النشاط الاقتصادي الصيني في المنطقة العربية، ومنطقة غرب آسيا عموما.

منذ أن أصبحت الصين مستوردا صافيا للنفط، ارتفعت وارداتها ارتفاعا كبيرا، حيث صعدت من صفر تقريبا في عام 1993 إلى أكثر من 10.3 مليون برميل يوميا عام 2021.

وفي سياق هذا الاستيراد المطّرد للنفط، أصبحت الدول العربية، لا سيما الخليجية، أهم مورد خارجي، حيث تزود بكين حاليا بما يزيد عن برميل واحد من كل برميلين من إجمالي استيراد الصين من النفط الخام.

وعلى مدى العقدين الماضيين، قفزت واردات الصين من النفط من الدول العربية ما يعادل أكثر من سبعة أضعاف من نحو 0.8 مليون برميل في اليوم عام 2003 إلى ما يقرب من 5.74 مليون برميل مع نهاية الربع الثالث من عام 2022، ما يمثل أكثر من نصف إجمالي متوسط واردات الصين من النفط يوميا خلال التسعة أشهر الأولى من العام الحالي.

ناصر التميمي
الصين تستعد لإطلاق المركبة "شنتشو-15" إلى محطتها الفضائية

كما أن هناك خمس دول عربية من بين أكبر عشر دول موردة للنفط للصين (السعودية، والعراق، وعمان، والإمارات، والكويت).

والسعودية أكبر مصدر لواردات الصين من النفط، وشكلت وحدها 17% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام العام الماضي، في حين كانت قطر ثاني أكبر مورد من الغاز الطبيعي المسال إلى الصين عام 2021. 

وبالمحصلة، زاد حجم التجارة البينية بين الصين والدول العربية على مدى العقدين الماضيين أكثر من 13 ضعفا، من نحو 25 مليار دولار عام 2003 إلى 332.2 مليار دولار عام 2021، بزيادة سنوية تبلغ حوالي 37 في المائة عن العام السابق.

مع ذلك، دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تمثل أكثر من 70% من إجمالي التجارة العربية – الصينية، في حين أن أكبر اقتصادين عربيين/شريكين تجاريين لبكين، وهما السعودية والإمارات، يشكلان لوحدها تقريبا نصف تجارة الصين مع الدول العربية.

رغم هذه الخلفية الاقتصادية الإيجابية، لكن على المدى الطويل، فإن تغير ديناميكيات الاقتصاد الصيني (تراجع نموذج التصدير لصالح الاستهلاك المحلي، وتصاعد المنافسة مع الغرب، والخلل الديموغرافي، وأعباء الديون المرتفعة) قد تؤدي إلى هبوط متوسط معدل النمو الاقتصادي الى 4-5% خلال العقد الحالي (وربما أقل منذ ذلك حسب بعض التقديرات الاقتصادية)، مقابل متوسط نمو بلغ 6.7% خلال العقد السابق.

هذا الوضع إن حصل من المؤكد أن يكون له تداعيات سلبية على الاقتصادات العربية،  فقد يؤثر على حجم الواردات، وعلى الاستثمارات الصينية في الخارج، وقد يقلل من استيراد الوقود الأحفوري حيث توقعت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها السنوي الأخير أن تبلغ واردات الصين من النفط ذروتها في عام 2030، في حين قد تتراجع معدلات نمو استهلاك الغاز الطبيعي بشكل ملحوظ.

زاد حجم التجارة البينية بين الصين والدول العربية على مدى العقدين الماضيين أكثر من 13 ضعفا، من نحو 25 مليار دولار عام 2003 إلى 332.2 مليار دولار عام 2021، بزيادة سنوية تبلغ حوالي 37 في المائة عن العام السابق.

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com