نظير مجلي
نظير مجلي

مطبات نتنياهو

المطبات التي وضعها أمامه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مدة لا تزيد على أسبوع، منذ تكليفه بتشكيل حكومة جديدة، تطرح تساؤلات غير قليلة إزاء قدراته على القيادة في الحقبة الأخيرة من عمره السياسي، وتشير إلى أن حساباته ليست مدروسة بما يكفي.

وبدأ نتنياهو يدخل في صدامات مع أقرب حلفائه من اليمين المتطرف، بل مع قيادة حزبه الليكود، والخطة التي وضعها لنفسه بتشكيل حكومة في غضون أسبوعين تبدو حاليًا شبه مستحيلة، كما أن الشباب المبتدئين في عالم السياسة، أمثال بتسلئيل سموترتش، وإيتمار بن غفير، يعلمونه دروسًا في السياسة.

المطب الأول جاء عندما وعد نتنياهو بتشكيل "حكومة يمين كامل"، أي يمين صرف تقوم خلال أسبوعين؛ ففي السياسة لا يعطون مواعيد قاطعة بهذا الشكل وبهذه السرعة، فالتكليف الذي حصل عليه يمنحه فترة 28 يومًا قابلة للتمديد أسبوعين آخرين، فلماذا الاستعجال؟

استغل "سموترتش" هذا الوعد وراح يبتز نتنياهو للحصول على وزارتي الدفاع والقضاء، فيما استغل بن غفير خلاف نتنياهو مع سموترتش وراح يدير مفاوضات منفردة مع نتنياهو، يطرح فيها أيضًا مطالب عالية، وهنا أحدث مشكلة مع رفاقه في قيادة الليكود، الحزب الأكبر، الذين يجدون أنفسهم مع حقائب وزارية ثانوية، وراحوا يسربون الانتقادات له على التفريط بأهم الحقائب الوزارية لصالح الأحزاب الحليفة الصغيرة.

واتفق نتنياهو مع بن غفير على عدد من المشاريع الاستيطانية المتطرفة شمال الضفة الغربية وعدد من الإجراءات القمعية للمواطنين العرب (فلسطينيي 48)، وفتح عليه جبهة في العالم الغربي وحتى بعض الحكومات العربية، فضلًا عن الجبهة المفتوحة والملتهبة مع الفلسطينيين.

بالطبع، يجب عدم التقليل من قدرات نتنياهو على المناورة وإدارة الأزمات، فهو من أكثر القادة الإسرائيليين الحاليين دهاءً وخبرة، ولا نستبعد أن يقلب الطاولة على حلفائه "المضمونين" و"المخلصين" في اليمين المتطرف ويبيعهم في سوق النخاسين بأرخص الأسعار؛ ففي السياسة عمومًا، وفي إسرائيل خصوصًا، لا يوجد "أبيض أسود"، وقد سبق وشهدنا عمليات بيع كهذه في الماضي، أيضًا في حكومات نتنياهو، الذي استقوى بالتأييد الجماهيري حتى ضد حزبه.

ولا ينبغي التقليل أبدًا من القدرات الأمريكية للتأثير على السياسة الإسرائيلية الداخلية، فإن أرادت واشنطن، تستطيع أن تتحكم حتى في تسمية التحالفات، وتوزيع الحقائب الوزارية، وقد تفعل ذلك بطلب مباشر، وقد تتخذ خطوات وإجراءات أو تطلق تصريحات تجعل نتنياهو وغيره من الفرقاء يفهمون ما عليهم فعله.

تستطيع مثلًا أن توصل رسالة إلى نتنياهو بأن الولايات المتحدة لن تتعاون مع سموترتش كوزير للدفاع، فلا يكون سموترتش وزيرًا للدفاع، وقد تلمّح إلى لبيد بأنها تريد أن تراه نائبًا لرئيس الحكومة، خصمه اللدود، نتنياهو ووزيرًا للخارجية، فيتراجع عن موقفه "المبدئي" وينضم إلى "حكومة وحدة وطنية لمواجهة الخطر الإيراني".

وحصل أمر كهذا مع بيني غانتس قبل 3 سنوات وتقاسم الحكم مع نتنياهو، ورغم وعوده القاطعة بعدم التحالف مع نتنياهو من جديد يمكن لمكالمة هاتفية مع واشنطن أن تغير قراره، خاصة أنه يلتقي مع قادة الجيش يوميًا ويتبادل وإياهم "القلق على مصالح الآن الإستراتيجية من وجود شخصيات غير مقبولة في وزارة الدفاع".

لقد حصل، في العام 1977، عندما أقدم مناحم بيغن، رئيس أول حكومة يمين متطرف، على جلب الجنرال موشيه ديان وزيرًا للخارجية، والجنرال يغئال يدين، نائبًا لرئيس الحكومة، حتى يبدد المخاوف الأمريكية من سياسته.

وفي العام 1984، عندما أقام يتسحاق شمير حكومة وحدة مع حزب العمل برئاسة شمعون بيرس واسحاق رابين، وفي العام 2004، عندما انشق أرئيل شارون عن حزب الليكود الذي كان رئيسه وأحد مؤسسيه وأقام سوية مع بيرس حزب كديما.. في كل هذه الأحداث كانت للأمريكيين بصمات واضحة.

وليس بالضرورة أن يحصل تطور كهذا الآن بشكل فوري وبنفس الطريقة، وقد يقيم حكومة يمين صرف لفترة معينة، ينهي فيها ملف قضايا الفساد في المحكمة، ثم يفتعل أزمة مع حلفائه في اليمين المتطرف ويحقق الإرادة الأمريكية الليبرالية.

وتتساءلون كيف سينهي قضية الفساد، التي تدار في المحكمة طيلة سنة، وسبق أن اشغلت مئات العاملين في قسم التحقيقات في الشرطة والنيابة، تم خلالها تجميع أدلة صارخة.

نقول ببساطة، جهاز القضاء في إسرائيل لا يقل "تحزبًا" عن السياسيين، وهو أيضًا يدير عمله خارج أروقة العدالة وبحسابات ربح وخسارة وصراعات سياسية، فقد نجح نتنياهو حتى الآن في دب الرعب في صفوف الجهاز القضائي، من خلال الإعداد العلني لسلسلة قوانين تقصقص في أجنحة المحكمة العليا وتغير طريقة تعيين القضاة فيها، وباتوا جاهزين، اليوم، للدخول في صفقة معه تخرجه من قفص الاتهام بأقل الخسائر البقاء في الحكم، والتخفيف من تلك الضربات.

قلنا مطبات؟ أجل، ولكن في ظروف معينة يمكنها أن تحقق لنتنياهو أهدافه الأساسية، والشخصية والحزبية، وتتحول إلى مطبات للآخرين.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com