زايد الحاضر الغائب في الكونجرس العالمي للإعلام

زايد الحاضر الغائب في الكونجرس العالمي للإعلام

كان القائد المؤسس -رحمه الله- يصرف جلَّ وقته إما في جولات ميدانية أو في استقبالات يومية لأطياف واسعة وشرائح مختلفة من أبناء المجتمع الإماراتي، مستمعًا مطالبهم، ومستطلعًا آمالهم.

يجد كثير من الصحفيين المخضرمين أمثالي، ممن جاؤوا إلى الإمارات وهي تتلمَّس الخطى لإيجاد موطئ قدم لها على الخريطتين الإقليمية والدولية، في "الكونجرس العالمي للإعلام"، حدثًا استثنائيًا تتوج الإمارات فيه مسيرة 50 عامًا حافلة بالإنجازات التي تحكي القصة منذ ما قبل التنقيب عن النفط في باطن الأرض، إلى ارتياد الفضاء.

لن أتحدث عن هذا التجمع الإعلامي الكبير الذي تستضيفه أبوظبي في الفترة من 15 إلى 17 نوفمبر، ولكني أجده مناسبة أستحضر من خلالها دور ومكانة الإعلام في إبراز المشروع الإماراتي منذ أن كان فكرة، قبل أن تتحول بمثابرة الرواد الأوائل إلى نموذج إنساني وسياسي وتنموي صانع للحدث، وفارض نفسه كشكل يسعى الكثيرون إلى محاكاته.

وأزعم بحكم طول المقام، الذي يقترب، اليوم، من نصف قرن، أن القائد المؤسس للتجربة الاتحادية الإماراتية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، هو الأب الروحي للتجربة الإعلامية الإماراتية، ولما حملته هذه التجربة من مضامين، وما سعت إلى تحقيقه من أهداف.

كان الشيخ زايد -رحمه الله- إعلاميًا بالفطرة، أدرك مبكرًا أهمية الإعلام في الترويج لفكرة الاتحاد، وترسيخها كاختيار سياسي، وحاجة أمنية، وضرورة تنموية.

وأذكر المرة الأولى التي جئت فيها للإمارات، وكان ذلك في ديسمبر عام 1973، كانت المناسبة إعلامية، وكان الحضور فيها صحفيين عربًا وأجانب من قارات العالم الخمس، قد تجمعوا في أبوظبي، وجاؤوا لتغطية احتفال الإمارات بالذكرى الثانية لاستقلالها وقيامها ككيان عربي اتحادي على ساحل الخليج العربي.

لم يكن كثيرون منهم قد سمعوا بالإمارات، كانت الأفكار حول المنطقة مشوَّشة، وكانت التسميات لها متباينة، فمنهم من كان يسميها إمارات الساحل المتصالح أو إمارات الخليج.. إلى آخر تلك التسميات التي لم تكن تعبّر عن الهوية العربية للدولة الجديدة.

كان أقصى ما يعرفه الزائرون لها ما كانت تنشره الشركات الأجنبية التي كانت قد بدأت باستكشاف النفط وإنتاجه، وكان ما هو منشور أقرب لتوثيق التراث، وتسجيل تاريخ المنطقة، وما تتميز به من ظواهر طبيعية ومظاهر اجتماعية.

في ذلك اليوم، لم يكن هناك ما يشي بدور سياسي أو مكانة اقتصادية للكيان الجديد، كانت الدولة الوليدة تواجه تحديات من كل نوع، وكانت الشكوك باستمرار الكيان الاتحادي، أوضح من الآمال المعقودة عليه، وكانت مظاهر الحياة لا تزال محاصرة بالثالوث الشهير: الفقر، والجهل، والمرض.

البُعد المحلي للإعلام الإماراتي سرعان ما تحول إلى حضور إعلامي إقليمي.

كانت المهمة الأولى التي عمل عليها المغفور له الشيخ زايد -رحمه الله- هي ترسيخ الكيان الاتحادي وتثبيته كحقيقة سياسية قابلة للحياة والاستمرار.

لم تكن فكرة الاتحاد كصيغة سياسية واضحة في أذهان المواطنين الإماراتيين، كان ارتباطهم بالكيانات الصغيرة المتمثلة بالإمارات السبع المكونة للاتحاد، وبصيغة القبيلة، طاغيًا على فكرة الدولة الواحدة، وكان التداخل بين ما هو محلي وما هو اتحادي يثير خلافات، ويعطل مشاريع.

وأذكر أن القائد المؤسس -رحمه الله- كان يصرف جلَّ وقته إما في جولات ميدانية أو في استقبالات يومية لأطياف واسعة وشرائح مختلفة من أبناء المجتمع الإماراتي، مستمعًا مطالبهم، ومستطلعًا آمالهم، وكنت أستغرب الطبيعة المفتوحة لهذه الجولات واللقاءات التي كانت تُسجَّل بالصوت والصورة.

كان -رحمه الله- يدرك تأثير الصورة والكلمة وهو يشرح أمام العدسات وخلال اللقاءات الشعبية والجولات الميدانية، التي يصحبه فيها الصحفيون وطواقم التصوير، كان يعرف أن ترسيخ الكيان الاتحادي كاختيار وطني لأبناء الإمارات هو المهمة الأولى لأجهزة الإعلام المحلية التي كانت متواضعة عدةً وعددًا.

وقد تجسدت هذه الرؤية في أول اختبار تعرضت له التجربة الاتحادية بعد انتهاء الفترة الرئاسية الأولى للشيخ زايد، العام 1976، عندما هبت جموع الإماراتيين مطالبة الشيخ زايد بعدم التنحي عن القيادة، في تعبير واضح عن مدى التأثير الذي حققته الآلة الإعلامية في الترويج للفكرة الاتحادية، وتحويلها من فكرة نظرية إلى حاجة عملية.

هذا البُعد المحلي للإعلام الإماراتي سرعان ما تحول إلى حضور إعلامي إقليمي، حيث ساعدت أجواء الانفتاح والترحيب الذي وجدته وسائل الإعلام العربية والأجنبية في الإمارات، على اعتماد المؤسسات الإعلامية العربية والأجنبية الساحةَ الإماراتية مقارَّ لها، وتسابقت منذ منتصف الثمانينيات، وبعد أقل من عقدين على قيام الدولة الاتحادية بالانتقال إلى الإمارات، وافتتاح مكاتب إقليمية لها فيها، وقد تجاوبت الساحة المحلية مع هذا الإقبال إلى توفير مناطق إعلامية متخصصة تملك كل مقومات الإعلام الحديث بكافة أشكاله ومدارسه.

وإذا كانت التسهيلات المادية قد أسهمت بجعل الإمارات قبلة للباحثين عن أجواء مهنية مواتية، فإن فتح هذه الساحة لتجمع إعلامي كبير، مثل الكونجرس العالمي للإعلام، هو تعبير عن مناخ إعلامي فريد لا يعتمد على المقومات المادية فقط، بل على ما يتوافر فيه من فرص للابتكار والإبداع.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com